نظرية العَقد والحقوق الضائعة
نظرية العقد (العقود) أو «التفاهمات» (Contract Theory) وهي تحليل لوثيقة اتفاقيات بين أطراف «العقد»، وهي الجدلية القانونية التي حولها عالم الاقتصاد الأمريكي كينيث أرو إلى نظرية قائمة، وطورها مؤخرا العالمان الاقتصاديان الامريكي أوليفر هارت والفنلندي بنغت هلومستروم، لتستوعب مجريات الاقتصاد الحالي بالتركيز على هدفين.. الأول: هو تحقيق الانصاف، والثاني: التشجيع على تطوير الأداء ومن ثم الإنتاجية. ولأشرح المقصود بالعقد في النظرية حتى يتسنى فهم ما دون ذلك. فالعقد هنا هو «الاتفاق بين طرفين أو أكثر يتعهد فيه كل منهما بأشياء أو وعود متبادلة بحيث ينفذها القانون» وبالطبع فإن هذا الالتزام القانوني يتضمن قاعدة نصية دولية - لاتينية- ما فتئ القانونيون السير وفقها وهي «Pacta Sunt Servanda» ومعناها «العقد شريعة المتعاقدين» فهذه الوثيقة تلزم كافة الأطراف حقوقهم وأي إخلال بأي نص ورد فيها فإن القانون يلزم الطرف المخل بالتعويض عبر القضاء. وبنيت النظرية أطروحاتها أساسا على عقد العمل، لذا يعتبر اليوم من المواثيق الهامة، وهو أبسط الحقوق التي يجب أن تعطى للعامل ويتم من خلاله شرح ما يتضمنه العقد من صيغ ومطالبات وحقوق للطرف الآخر، وهو حق مكتسب للعامل. ولكن أكثر ما لفتني في تطوير نظرية العقد للباحثين الاقتصاديين هارت وهلومستروم اللذين نالا جائزة نوبل 2016 بداية أكتوبر الماضي، هو البحث في الصيغ الأفضل لتحفيز وتشجيع الموظفين والعاملين لأداء عملهم بصورة ليست تقليدية، فهم يرون أن يتم توزيع الدخل معتمدا ليس على أداء الشخص الذي قد يكون ملتزما ومنضبطا تماما، بل على المهارات الفردية وتقييم الابتكارات والتفكير المستقل، هذا الذي قد يكون عبئا في بعض من مؤسساتنا الحكومية للأسف الشديد. عالج الباحثان الاقتصاديان العديد من الفجوات والتي من الممكن أن تؤدي إلى تدارك الأزمات في بيئة العمل من خلال عقود «أكثر صحية ووضوح وشفافية، مقننين بعض القوانين الوظيفية كتلك التي تتعلق بالحوافز والمكافآت التي اعتمدت على تقييم الأداء بجعل الدخل غير ثابت، الذي يرون أن يعطى بحسب الأداء الوظيفي». هذه النظرية فيها الكثير من المحاسن ولكنها على الاطلاق لا تصلح لبيئة عملنا الحالية، للأسف فإن دراسة بعض الأفراد في مجتمعنا الخليجي تكون ليس وفق الرغبة، فالكثيرون يدرسون ما يناسب المزاج الاجتماعي والأعراف، والبعض يذهب لدراسة ما يحصل عليه من منح أغلبها تكون كخلاط اليانصيب، والباقون يدرسون «كوجاهة» فيدفعون من جيوبهم ليطلق عليهم وصف جامعي، لذا أغلب هؤلاء يعملون في مهن هم كارهوها وبالتالي فإن مستوى الإنتاجية يكون متدنيا جدا، فلو يخضعون لمقياس الأداء الوظيفي ذاك سيفشلون - بلا ريب- ولو يطبق نظام الرواتب بحسبه فلن يحصلوا على قرش. بيد أننا نحتاج لتطوير العقود وفهمها في مجتمعنا، فالكثيرون يُظلمون؛ بسبب جهلهم وتضيع حقوقهم لقلة وعيهم بأهميتها.