تحت سيادة «التجارة الحرة»
بدا غاضبا وهو يقول: لماذا قانون العمل لا يحمينا نحن أصحاب الأعمال، خسرت العديد من المشاريع بسبب قبول شكوى العمال المتذمرين، فمن يعوضني؟! أجبته: «نحن في زمن» التجارة الحرة «واتفاقيات العمل الدولية ولا عزاء لكم». التجارة الحرة هي الفخ الذي كرس لجعلنا اسواقا استهلاكية تُكب علينا المنتجات الفائضة من الأسواق الصناعية لنلتهمها بشغف، فالدور الرئيسي لاتفاقيات التجارة الحرة هو خلق قاعدة تشريعية للمستثمرين الأجانب الذين سيحطون في أسواقنا حتى لا تضيع حقوقهم في فوضى الفساد والمحسوبيات أو تتراجع ارباحهم في ظل البيروقراطيات في بلداننا. لذا كان الإصلاح الاقتصادي الذي يتضمن تأسيس بنى تحتية صلبة، تشريعات ونظم دقيقة، الدخول في اتفاقيات القوانين التجارية ومنظماتها الدولية، الحوكمة والشفافية وحقوق العمال، هي مطالب صحيحة لايمكنني التشكيك بها، ولكن المستفيد منها ليست البلدان النامية إنما البلدان الصناعية المستثمرة التي تحتاج فعلا لأرضية لضمان نجاح وربحية الشركات المستثمرة المنتمية لها. فمنذ العام 2004 والى اليوم ماذا استفادت دولنا الخليجية من اتفاقيات التجارة الحرة مع امريكا على سبيل المثال كونها أول بلد اتجه نحو ذلك بقوة، بل كان برنامجا سياسيا تحدث عنه الرئيس الامريكي الذي كان يقول إن هذه الاتفاقيات صنعت لمساعدة الشعوب الفقيرة والأسواق الناشئة ومد يد العون لها، فماذا استفدنا من اتفاقياتنا الحرة مع امريكا؟! في الحقيقة ساعدت الاتفاقيات (الثنائية) والتي حرصت امريكا أن تكون ثنائية بدل أن تعقدها جماعية في كيان واحد هو «مجلس التعاون الخليجي»، إلى تواجد أكثر من ألف وخمسمائة شركة ومؤسسة ومصنع ومصرف امريكي في الخليج، (180 شركة أمريكية في البحرين، 250 شركة في السعودية سجلت في 2011، أكثر من 500 في الامارات حتى 2015، 75 في الكويت حتى 2012، 460 في عمان حتى 2014، 120 في قطر حتى 2014) بالمقابل فإننا بلدان ليست صناعية، وتعتمد بشكل كبير على القطاع النفطي والصناعات التحويلية له والتي نستعين فيها بمصانع واستشارات وتسويق وشركات وخبرات وعقود أجنبية تملك امريكا منها حصة الأسد، فكيف ستخدمنا الاتفقيات التي في الحقيقة جذبت لأراضيها مليارات الدولارات من الرساميل الخليجية بدل عنا؟. لذا فإن تلك الاتفاقيات لم تنصف قطاع العمل لدينا والذي أجبرته على توقيع سلسلة من الاتفاقيات التي تقيده. وفقد سوقنا المحدود الحماية التي كانت قادرة على أن ترعى قطاعاتنا الصغيرة والعاملين فيها من المواطنين من فوضى كبيرة تعمه اليوم باسم التنافسية. هذه الاتفاقيات ضيعت علينا الكثير، وتسببت في ضعف قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الذي فقد الحماية، وتمرد العمالة الأجنبية، وأوجد تنافسية في سوق غير مستعدة، وتناميا للاستثمارات الأجنبية التي تستعين بعمالة أجنبية، لانستفيد منها بشيء إلا توفير أرض للإيجار الرمزي، ونسب البطالة لدينا في ارتفاع، وتدهور السوق.