اختلاف الأجيال والثقافات
كلنا نلاحظ الاختلاف، الذي يطرأ على جيل لاحق عن الجيل الذي يسبقه؛ لكننا غالباً ندخل ذلك في إطار التحلل من القيم القديمة الجيدة، وفق تصنيف النخب السائدة. وقليل منا من يتفهم ذلك الاختلاف بوصفه سنة الحياة في تطور أساليبها، وتغير أذهان الأجيال المتوالية في فهمهم متطلبات حياتهم من جهة، وطريقة التعامل مع ظروفهم من جهة أخرى. فكثير منا ينعى فقدان الشباب في عصرنا الحديث لعلاقة جيدة مع الكتب، أو المطبوعات بصورة عامة، وتركيزهم على الأجهزة المحمولة، وتدوين الأشياء فيها إن لزم الأمر. حتى إن حمل القلم في الجيب أصبح من الأمور النادرة بين شباب الجيل الحالي، وإن احتاج إلى تدوين شيء ما، أو نقل معلومة مكتوبة في إعلان أو سواه، فإنهم يقومون بتصويرها بأجهزتهم أيضاً، حتى بين طلاب الجامعات، الذين لم أكن أظن إمكان خلو جيوبهم أو حقائبهم المحمولة معهم من الأقلام والأوراق. وكنت أظن الأمر خاصاً بنا في المنطقة العربية، التي غالباً ما تهتم بالجديد، حتى وإن كان غير مفيد؛ لكني لاحظت خلال هذا الصيف، أثناء وجودي في مدينة أمريكية، أن أعداداً متزايدة منهم لا تحمل الأقلام معها في تنقلاتها اليومية. بل إن حادثة في قاعة الإفطار بأحد الفنادق، حيث أتى أحدهم إلي، وهو يحمل بطاقات بريدية يريد الكتابة عليها، وليس معه قلم، وطلب استعارة قلمي؛ دعتني إلى أن أتلفت إلى الطاولات المحيطة بي، فلم أجد أحداً منهم يحمل قلماً في جيبه. وكان الضيوف الممتلئة بهم قاعة الإفطار من جنسيات مختلفة من أمريكا الشمالية والوسطى أو الكاريبي حسب اللغة الاسبانية التي كانت سائدة في الحديث بينهم. وكنت في وقت سابق قد تساءلت عن إمكان أن ينقرض الكتاب الورقي، بعد أن رأيت بعض المكتبات العالمية الكبرى المعتمدة على الكتب الورقية فقط تغلق متاجرها في عدد من البلدان المهمة، فأبدى بعض المعلقين أسفهم على قرب انتهاء حقبة الكتاب الورقي، فيما عارض آخرون أن يؤدي انتشار الكتاب الالكتروني إلى انتهاء طباعة الكتب الورقية؛ بل سيكون الصنفان متكاملين في نقل المعرفة والمتعة والمشاعر وترف اللغة إلى بقية البشر بصورة دائمة. وأعود اليوم لأطرح مسألة احتمال تضاؤل مهارات الكتابة اليدوية، لتحل بدلاً منها الكتابة الالكترونية أو التسجيلات الصوتية في نقل النصوص اللغوية من شخص إلى آخر، أو من مجتمع إلى غيره، ولحفظ تلك المدونات من الضياع. وأرى أنه في حالة تحقق هذه المخاوف، أو على الأقل حدوثها في أجزاء كبيرة من العالم؛ فإن نسبة كبيرة من تراث الأمم سيكون معرضاً للزوال. إذ إن تغير وسائل الحفظ الالكترونية، أو تطورها بطرق جذرية تجعل الآليات الأحدث منها غير قادرة على قراءة النماذج الأقدم، مما يعرّض تلك المحفوظات إلى الضياع. فقد أسهمت الكتابة الورقية منذ اختراع الطباعة في القرن السادس عشر في نقل المعارف التي كانت على مخطوطات محدودة إلى أعداد كبيرة من البشر، وبطريقة مرئية ولا تحتاج إلى أدوات للاطلاع على عناصرها، بل تكفي مهارة القراءة والضوء والقدرة البصرية. فإن انتكست البشرية في هذا المجال، فإن علوماً كثيرة ستكون معرضة لفقدانها من حضارة الإنسان، لتتسع الفجوة بين ما توصل إليه البشر من تقنيات، وما قادته إلى تلك التقنيات من علوم لم تعد مقروءة. وهي ستكون أكبر خسارة يتعرض لها تاريخ الحضارات منذ أن أنشأ الإنسان معارفه ومهاراته التراكمية، واستعمل ذاكرته وذكاءه في سبيل الارتقاء بتلك المعارف وتطويرها باستمرار.