هناء مكي

الثروة المهدرة

حين تأتيني شابة مضى على تخرجها خمس سنين ولا يزال يحدوها أمل بأن تعمل، وتقول راجية: «أريد أن أعمل في أي وظيفة وإن كانت سكرتيرة»! وهي حاصلة على شهادة بكالوريس في الإدارة المصرفية، حين أرى شابا في أحد المطاعم واقفا لينتظر أن أملي عليه طلباتي من الطعام لأتفاجأ بأنه حاصل على بكالوريس في اللغة العربية غير أن الحاجة حولته «لمقدم أطعمة»، حين يشتكي إلي شاب لديه دبلومة محاسبة ورضي أن يعمل بأحد المصانع عاملا، قائلا: إن مسئوله في العمل -الآسيوي- قد طرده لأنه بكل بساطة لا يريد «مواطنين» وقد أكمل اجراءات جلب آسيويين. ليعيد طلب اعالة من الصناديق الخيرية؛ لأن لا أحد يصرف على أسرته. هي نماذج باتت تشكل اليوم ظاهرة وليست حالات فردية، إنها الثروة المهدرة. إذ في الوقت ذاته حين أذهب للمقهى يلفت انتباهي صوت «الهنود» المرتفع وهم يرتدون بدلات بماركات باهظة جالسين بكل ثقة دون أن يجرؤ أحد أن يطلب منهم خفض أصواتهم لأكتشف أنهم مديرو مصرف قريب، ماذا عن تلك التي ترتجي وظيفة سكرتيرة وهي تحمل شهادة تخولها العمل في بنوك بلدها وخمس سنوات من الخبرة ذهبت هباء؟!، حين أذهب للمشي وأجد المتنزه وقد تحول لمكان مزدحم ومملوء بالأوساخ والفوضى وتكتلات بشرية لجنسيات عربية والتي تعرفها من لهجتها وثيابها، ويكاد يخلو من المواطنين لأكتشف أن هذه العوائل لمعيلين يعملون مدرسين ومدرسات، وماذا عن الشاب الذي يعمل «جرسون» وما ذنبه لتسرق فرصته في التوظيف؟!. حين أذهب للسوق وأجدها قد تحولت لسوق للآسيويين الذين باتوا تجارا من وراء تلاعبهم بالأسعار والمنتجات والسوق السوداء، ماذا عن الشاب الذي يحمل دبلومة المحاسبة وقد استوطنت السوق المحلية بالاجانب؟! كيف يمكن لهؤلاء أن يستمروا في العمل الذي لا يناسبهم!! لست ضد عملية التوظيف وإتاحة فرصة الأفضلية، ولكن ليست بهذه الفوضى ونحن نمر بضائقة، سوق العمل في بلداننا تكاد تخلو من القوانين والاستراتيجيات والأهم الاعتماد على المورد البشري الوطني، قاعدة النمو في كل بلد. إن كنا نتحدث عن التنمية وعن الاقتصاد البديل والجديد؛ فلا بد من الادراك بأن المواطن هو الثروة الحقيقية والقاعدة لأية عملية تنمية، لن يبني لنا الأجانب اقتصادا بل هو استنزاف للسيولة التي شحت في السوق بفعل التقشف من جهة وبفعل الحوالات النقدية للوافدين من جهة أخرى. مع العلم بأن منطقة الخليج صنفها صندوق النقد أحد أكبر مصادر التحويلات الخارجية في العالم، وتحتل السعودية المرتبة الثانية عالميا بعد امريكا في حجم التحويلات، وبحسب الاتحاد العام للمصارف العربية فإن «التحويلات المرسلة من دول الخليج للعام 2014م، من حوالي 29 مليون عامل أجنبي بلغت 98 مليار دولار، ذهب جزء كبير منها إلى الدول العربية والجزء الآخر لدول آسيوية».