د. مبارك الخالدي

الهجرة..كتابة ثانية

كانت الكتابة الأولى عن «الهجرة» مقالة نشرت في (اليوم) في 26/‏1/‏2003م، يمكن وصفها بأنها تعليق على هامش تحقيق نشر في صحيفة (الشرق الأوسط) عن هجرة السعوديين تضمن لقاءات مع عدد ممن هاجروا. أعتقد أن (الشرق الأوسط) كانت سبّاقة في تناولها الصحفي، قبل 13 سنة، لموضوع هجرة السعوديين. ولكن مقالتي هذه ليست عن هجرة السعوديين، إنما عن الهجرة بمفهومها وشكلها العام، وتعرض الأسباب المحتملة التي تدفع أي إنسان، في أي زمان ومكان إلى هجر/‏ مغادرة وطنه الأم، إلى مكان آخر يختاره وطناً بديلاً عن وطنه الأصلي. قد يكون للهجرة سبب واحد أو اثنان أو أسباب عديدة، لكني أرى تلك الأسباب بتعدديتها وتنوعها تلتقي وتدغم في كلمة واحدة هي (الأذى)، استعرتها من قصيدة الشنفرى المعروفة بـ(لامية العرب): «ففي الأرض منأى للكريم عن الأذى». في كلمات أخرى، إن تَعرُّضَ الإنسان للأذى في وطنه الأول هو المثير لرغبة الارتحال عنه إلى مكان آخر. وللأذى وجوه وأنواع عديدة فهناك: الأذى الناجم عن تعرض الإنسان للاضطهاد العرقي، أو الاضطهاد الديني أو الطائفي، أو أذى القمع السياسي وكبت الحريات، أو أذى الفقر والفاقة نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية متمثلاً في ندرة أو انعدام سبل كسب الرزق، أو الأذى الجسدي جراء انتشار العنف وانعدام الأمن. وفي الظروف غامضة المآلات والأوضاع التي يسودها الاضطراب، يشكل الخوف والقلق من المستقبل وعليه أذى نفسي قد يدفع الى التفكير في الهجرة.«الأذى» مصطلح ينضوي تحت مظلته كل أسباب أو عوامل الطرد (PUSH FACTORS) التي تمثل الطرف الأول لمعادلة «الهجرة»، حين تؤدي في حال وجودها، منفردةً أو مجتمعةً، إلى تحول الأوطان من أمكنةٍ تليق بالإنسان، إلى أمكنةٍ ذات طبيعةٍ مناقضة تماماً تظهر فيها متجردة من لياقتها وملاءمتها لحياة الإنسان واستمرار إقامته فيها - إنها الأوطان حين استدعائها الى الذاكرة المعنى الآخر القديم ولكنه لا يزال أثراً عالقاً بكلمة «وطن»، الوطن بمعنى «المربض». حين تمر الأوطان مجازياً بهذا الانمساخ في وعي ونظر بعض قاطنيها لسبب ما أو لآخر، تكون الهجرة أمراً حتمياً بالنسبة لهذا «البعض»، و«البعض» هنا يتألف من عدد غير معلوم من قاطنيها، أو لا يمكن التنبؤ به. وتمثل عوامل الجذب (Pull Factors) الطرف الآخر الضروري لتحقق معادلة الهجرة. تقول المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مُعَلِّقةً على هجرة السوريين إلى ألمانيا والدول الاوربية الأخرى: إنهم يهاجرون كما هاجر أجدادهم المسلمون إلى الحبشة لأن فيها ملك لا يظلم عنده أحد. في تعليقها هذا تضع ميركل إصبعها على توفر «العدل» في مكان ما كأحد عوامل الجذب المحرضة على الهجرة، ولكن العدل وحده يفقد خاصية الجذب ما لم يكن الظلم موجوداً على الطرف الآخر كعامل طرد. والعدل ذاته ليس هو عامل الجذب الوحيد، إذ إن كل نقيض لأي نوع من أنواع الأذى أو عوامل الطرد المذكورة آنفا هو عامل جذب. الهجرة انتقال إنسان من مكان ما مدفوعاً بعامل أو أكثر من عوامل الطرد، إلى مكان آخر، يستوطنه، يختاره وطناً بديلا. كل مكان يقيم في الإنسان هو وطن، وليس مهجراً. المهجر هو ما يراه الآخرون.