د. فالح العجمي

يوسف زيدان وكوارث أخرى

ثارت قبل فترة وجيزة ضجة بشأن أقوال للكاتب المصري يوسف زيدان عن عرب شبه الجزيرة العربية، وعدم وجود حضارة لديهم، وبلغة فيها إسفاف وغير موضوعية. وقبله كان الإعلامي التونسي محمد الهاشمي، وغيرهما كثير من الكتاب والإعلاميين والأكاديميين، الذين لا يفارقون موائد عرب شبه الجزيرة العربية، ولا تعرفهم أحياناً بلدانهم بقدر ما يبجلهم أناس لدينا، يظنون أن التقدير والجوائز لا بد أن تذهب إلى غير أهل البلد، والدعوات لا بد أيضاً أن توجه إليهم، وربما يحضر أصحاب الدار بوصفهم كومبارس لتلك الهالات المنفوخة. ولأن الأمر يتعلق بالثقافة، فلا بد أن يكونوا من البلدان العربية، وإلا لكانت بوصلتهم قد اتجهت إلى الغربيين، لظنهم أنه كلما كانت الاختيارات أبعد، كانت أقرب إلى النجاعة.وفي كل مناسبة تثور ثائرة بعض جماعتنا، عندما يشعرون بأن مطبلاتيتهم قد انقلبوا عليهم، ويتأففون من نقص وفائهم، وسوء معدنهم، أقول لهم: مهلاً يا سادة، نحن نستحق أكثر من ذلك.. فنحن الذين نسعى لمنحهم الجوائز، واستدعائهم للإشراف على الكراسي أو المراكز العلمية، حتى لو كان في الداخل من هو مثلهم أو أجدر منهم، ونحن كذلك من نستدعيهم - لحاجة ولغير حاجة- للتحدث أو حتى الحضور المبالغ في تقديره ودفع مقابله بإسراف لا نظير له، في مهرجاناتنا ومعارض الكتب لدينا. وليت القائمين على تلك الفعاليات يعاملون المشاركين معهم من الداخل بنفس الميزات، رغم عدم تكبدهم دفع التذاكر والفنادق للمحليين، لكن التقدير والمكافآت وشهادات الحضور والاحتفاء لا تكون إلا لمن يأتي من الخارج. فلا عجب أن يظن، أو يجزم بعض من تتكرر دعواتهم بهذه الطريقة، أن هؤلاء الأعراب أغبياء، ونحن (أي الوافد من الخارج) من يتفضل عليهم بشيء من أفضاله العلمية والخلقية. ساءني تعليق أحد الزملاء السعوديين في وسائل التواصل الاجتماعي على موقف يوسف زيدان من عرب الجزيرة، الذين بالغوا في إكرامه على حساب نظرائه لديهم؛ عندما قال: «علينا تجاهل هذا الشخص، الذي أورد كلاماً سيئاً غير علمي، ولا يستحق الرد». وقول هذا الزميل صحيح في الواقع، لكنه أوجعني، لأن هذا الزميل كان قد استمات مرة أثناء ترشيح أسماء لجائزة الملك فيصل، لكيلا يكون المرشح الوحيد من القسم سعودياً، وعندما فشل في إعادة إرسال القسم لترشيحه مرة أخرى بإضافة شخص أجنبي إليه، لأنه لم يكن حاضراً في الجلسة الأولى، التي رشح القسم فيها ذلك السعودي؛ عمل اللازم داخل لجان الجائزة، لأنه كان عضواً فيها، من أجل ألا يمر ترشيح ابن بلده للجائزة، وفعلاً فاز بها الأجنبي. وموقف آخر يماثله، يتعلق بترشيح أستاذ لأحد الكراسي العلمية، حيث طلب مني المشرف على الكرسي ترشيح شخص له سمعة وصيت كبير، وطبعاً هو يريد اسماً عربياً ممن تلمعهم الجوائز، وتدفع بهم بلدانهم من خلال نشر مؤلفاتهم، لتكون لهم سمعة، يتهيأ من خلالها لبعض أبناء الجزيرة، أنهم لا يسير أمر بصورة سلسة، ولا يحقق مؤتمر صدى كبيراً إلا ان حضروا فيه. كما حكى لي أحد الزملاء المغاربة، أن جامعة سعودية كانت تطلب منه الاشتراك باسمه فقط، وأن يحضر فقط لأيام، ويوضع اسمه على غلاف عمل علمي مهم. والمؤسف أنه كان يتحدث عنهم بازدراء، ولكنه رفض هذا الهوان للجامعة وللعمل الذي يجري إعداده. وقد كانت نفس الجامعة تتعامل بتعالٍ وقلة تقدير لنظرائه السعوديين. بعد كل ذلك، ألا نستحق أن تأتينا هذه المواقف، التي أظنها لا تصدم إلا البعض منا؟!