هل يتم القضاء على البطالة في السعودية؟
تعاني جميع الاقتصادات الناشئة من أزمة البطالة التي تهدد المجتمعات وتعطل دائرة التكامل الاقتصادي وتخلق الجريمة في المجتمع وتفقده أمنه وتنذر باضطرابات سياسية. كما شهدنا ذلك في كثير من الدول العربية مثل تونس ومصر التي أدت البطالة فيها إلى تحولات سياسية أثرت على الاقتصاد الوطني الذي خسر مليارات الدولارات بسبب توقف السياحة التي كانت المصدر الأول للنقد الأجنبي، ولذلك قالوا ان عظيم النار من صغير الشرر.فالاهتمام بالشباب وإيجاد فرص عمل تؤمن لهم حياة كريمة يجنب أي مجتمع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، ولذلك تجد أن المنظمات والهيئات الاقتصادية الدولية تهتم بأرقام البطالة وتعتبرها من أهم المؤشرات على صحة الاقتصاد وسلامته ونموه. كلما ازدادت نسبة البطالة فهذا يؤشر لتدني المستوى الاقتصادي وتباطؤ نموه والعكس صحيح. ولهذا نجد أن الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية تصدر نشرات دورية عن مستوى البطالة وتعتبر من أهم المؤشرات التي تشغل كبار المسئولين في إدارة البيت الأبيض، وهي واحدة من أهم الأسباب المرجحة لأحد الحزبين الجمهوري والديموقراطي.وحتى الدول الأوروبية المتطورة تضع معيار البطالة واحدا من أهم المؤشرات لتقييم الأداء الحكومي وبناء القرارات الإستراتيجية، كما شهدنا ذلك في الاستفتاء لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حيث عانى الشعب البريطاني من المهاجرين الأوروبيين الذين اتهمتهم بالاستحواذ على الفرص الوظيفية في البلاد. وكذلك نشاهد كيف ان الدول الأوروبية الأخرى تخوض حربا ضد المهاجرين الذين تعتبرهم غير شرعيين وهم القادمون من دول لم تستطع بلادهم توفير الفرص الوظيفية المناسبة لهم.وفي المملكة العربية السعودية وعلى الرغم من أن الاقتصاد السعودي يعتبر واحدا من أكبر عشرين اقتصادا على مستوى العالم، ويوفر ما يقدر بـ 11,5 مليون وظيفة. حوالى 5 ملايين من تلك الوظائف يشغلها سعوديون والباقي يعمل به غير المواطنين. اي ان السعوديين يشغلون 43% فقط من الفرص الوظيفية الموجودة، طبعا اغلبها هي الوظائف الحكومية، ومع ذلك فإنه توجد بطالة عالية بين السعوديين تقدر بحوالي 647 الف مواطن سعودي قادرين على العمل، لكن لم يجدوا فرصا وظيفية.من أول وهلة يبدو الأمر غريبا كيف باقتصاد يوفر أكثر من 6,5 مليون وظيفة للأجانب ولا يستطيع أن يوفر من هذه الوظائف 10% لابناء البلد. لكن والمطلع على الشأن الداخلي والتركيبة الاجتماعية السعودية يعلم انه ليس من السهل أن يشغل هؤلاء السعوديون العاطلون عن العمل تلك الوظائف لعدة أسباب، منها الاجتماعية، حيث ادت الحياة الجديدة ورغد العيش الذي شهده السعوديون منذ السبعينيات الى الآن الى الاستغناء عن كثير من الوظائف. ومن أهم تلك الوظائف مراكز التوزيع ومنافذ البيع في المحلات والأسواق، فقد أحجم السعوديون عن هذه المهنة وشغلتها الأيدي العاملة الأجنبية.علما بأن هذه الوظائف في جميع دول العالم والدول المتقدمة الاقتصادية تعتبر الفرص الوظيفية الأسهل والأمتع وتتيح للعامل فيها الالتحاق بالدراسة؛ كون هذه الوظائف لا تتعارض مع أوقات الدراسة الصباحية، الا اننا لم نلتفت لها بطريقة صحيحة وهجرناها حتى أصبحت من الوظائف غير المقبولة اجتماعيا.وهناك وظائف لم يستطع السعوديون العمل بها ليس لانها غير مقبولة اجتماعيا ولكن لعدم المعرفة ببواطن هذه المهنة وأسرارها وذلك لعدم توفر مراكز تعليم لها أو لكون المنافسة فيها قوية وغير عادلة من الأجانب، ومسيطر عليها من قبل بلدان معينة مثل الورش وقطع الغيار ومحطات البنزين. فكثير من السعوديين لا يعلم شيئا عن الأموال التي تدرها هذه الورش أو كيف تدار هذه الورش، خصوصا اذا كانت قوانين البلد لا تساعد ابن الوطن.فترى شروط الاستقدام تكون حازمة عليه وسهلة على الأجانب وخصوصا العمالة اليمنية فبالتالي ابن البلد لا يستطيع المنافسة في هذا المجال.وقد تكون بعض الوظائف يمتنع عنها السعوديون لعدم وجود حماية لهم وحماية لحقوقهم، وشهدنا ذلك بعد أن امتنعت بعض الشركات من صرف رواتب الموظفين بعد أن تأخر صرف مستحقات هذه الشركات من قبل الدولة، وهي التي كانت تجني الأموال الطائلة من الدولة وبأرباح تجاوزت في بعض الأحيان 200% لكنها تخلت عن المواطن مع أول عملية اختبار حقيقية تعرض له الاقتصاد السعودي.يعلم الجميع ان الاقتصاد السعودي الآن يمر بعملية تحول من الاعتماد على النفط الى اقتصاد السوق الرأسمالى، ولن تنجح عملية التحول الا بإيجاد فرص وظيفية مناسبة للمواطن الذي سيكون حجر الزاوية في تطور ونمو الاقتصاد المحلي.