حرس الحدود.. الوطن والحب
لم أتوقع يوماً أن أحاور بطلا.. و لم أتعمد أن أكون محاوراً، بالقدر الذي أكون فيه مستمعاً يستمتع بكلام رجل من طراز خاص، تحدث عن قطاع غال من قطاعات أمن وحماية تراب الوطن بشكل آسر تمتزج فيه البطولة والفخر بالذود عن الوطن وترابه ومقدساته. بدأت القصة بلقاء مع بعض الأصدقاء وكان من بين الحاضرين متحدث بصورة لافتة، يَفهم من ينصت إليه أنه أحد منسوبي حرس الحدود. وأكثر من ذلك إنه من المخضرمين في موقعه، وكأنه لا يزال يقوم بواجبه مع رجال هذا القطاع في ميادين الشرف والذود عن حدود الوطن. لم أشعر للحظة أن ذلك المخلوق موظف، بالمعنى التقليدي، وفهمت ضمنا أنه يعشق هذا العمل؛ لأنه مشروعه في هذه الحياة. كم كانت أساريره تنفرج وهو يتحدث عن الأيام الأولى التي انضم فيها إلى فِرق الهجانة قبل نحو ثلاثة عقود، في منطقة ظهران الجنوب. وكنت أتابع حركته وهو يعتدل في جلسته ليواصل الحديث عن استخدام فرق الهجانة للركايب «الإبل» وكيف أنهم أحيانا يضطرون لاستخدام الدواب لصعوبة التضاريس في بعض الأماكن، كان يضع فنجان الشاي ويعدل من جلسته ويتحدث عن القفزات الهائلة التي عاصرها في نمو القطاع وتطور استخدامه للأجهزة الحديثة، والوسائل الالكترونية، حتى الوصول إلى استخدام الطائرات، وإنشاء المهابط الخاصة بها في أماكن مختلفة في الجبال والفيافي والقفار. وهو يختم حديثه في هذه الجزئية فهمت أنه لم يعد على رأس عمله، حيث أفصح عن أمنيته فيما لو أنه عاصر زمن الطيران والتكنولوجيا المتقدمة. فسألته بحذر عن سر هذا العمق في حديثه رغم أنه في عداد المتقاعدين، فقال بجدية وصدق لا تخفى على السامع: منذ أن بدأت حياتي في خدمة وطني في حرس الحدود، وأنا أشعر وغيري من الزملاء بأننا عينة مختلفة في عيون الناس، ففي لغة المجتمع نحن رجال، وأبطال حرس الحدود. بعبارات أخرى نحن رجال الوطن مع إخواننا في باقي القطاعات، أعطانا هذه البطولة، قيادتنا، وبلادنا والناس في مجتمعنا، وهذه معان لا نتنازل عنها ما حيينا حتى وإن سلمنا الرايات في حراسة الوطن وحدوده للأبناء والأحفاد. كنت هنا قد وصلت إلى نقطة ما في مسيرة الحوار، ومن ثم كان الاتجاه جبريا للتعمق في تجربة الرجل الشخصية ورأيت من المناسب أن أعطيه الفرصة للحديث بالطريقة التي تناسب تذكره للأحداث والمواقف والمعاني فقال: اخترت عنوانا واحدا لعملي منذ اليوم الأول في حرس الحدود، كان الجد والانضباط. وهذا الخيار لم يكن سهلاً وكثيرا ما كان ثمنه راحتي وصحتي وحياتي في بعض الأحيان ولكنه كان خياري، الذي يشعرني في نهاية المطاف بالرضا عن نفسي فيما أقوم به تجاه ربي ووطني وقيادتي ورؤسائي الذين منحوني الثقة. كان يبتسم، وهو منهمك في إجابته وسرد عشقه الكبير، وواصل بحرص: حصلت وبكل اعتزاز أثناء خدمتي على مر هذه السنوات على اكثر من مائة شهادة شكر، وتقدير، من السادة المدراء العامين لحرس الحدود، ومن القادة الذين تعاقبوا على قيادة المنطقة، ومن السادة قادة القطاعات علاوة على تقدير الرؤساء المباشرين. كان يستدرك ويتحدث بأخوة ورجولة طاغية عن التحامه بهذا العمل، العشق، قال وهو يرفع يده في الهواء كمن يؤكد بفخر على حقائق مشرِّفة: طوال سني خدمتي لم أغب عن معركة أو واقعة أو منازلة مع خصم أو عدو لهذا الوطن، بداية بما يعرف بهية الغريميل، انتهاء بمعركة الشرف والكرامة معركة الحزم الأخيرة. وقال لي ممازحا: قد لا تعرفون أنتم أهل الحياة المدنية أننا في حرس الحدود نتسابق الى اسلحتنا، وإلى مقاعد المركبات المنطلقة إلى الجبهة، لنواجه العدو سواء كان جيشا مدربا، أو مليشيات تمتهن حروب العصابات. وواصل بعد صمت قصير: كلنا نشارك في أداء الواجب، من الرتب الكبيرة إلى الرتب الأصغر، لذا كنا فريقا يعمل دوما بتناغم. ووجه اليَّ الحديث بشكل مباشر وهو يقول: قد تستغرب، اذا قلت لك اني زاملت واعرف جُلَّ منسوبي حرس الحدود في منطقة نجران الذين يقترب عددهم من خمسة آلاف رجل. ثم واصل وكأنما يفسر حديثه السابق: ليس في ذلك سر أبداً، عملنا سويا لهذه السنين وكنا دائما متلاحمين نكمل بعضنا ونشد أزر بعضنا البعض. وواصل بشجن كبير، كنا رجالا من طراز فريد، الكل في حرس الحدود قادة، ومرؤوسين، معرضون للاصابة، معرضون للموت، وقوائم الجرحى والشهداء بيننا تضم كل الرتب، في سبيل الوطن لا أحد يضن بنفسه.قلت له محاولا التخفيف من مشاعر عاطفية اجتاحت المكان: ولكن ماذا عن التعامل بينكم، قيادات وافرادا في اوقات السلم والهدوء على الحدود؟ قال وكأنه يتذكر أو يلخص احداثاً عاشها، وعيناه تلمع بشكل لافت: قيادتنا كانت تسعى دوما إلى تعزيز قيم الانضباط، من خلال توجيه الحب والولاء للبوابة الأسمى والأكبر وهي الوطن. كان القادة يتفهمون ظروف الأفراد واحتياجاتهم، وكانوا دوما مع أفرادهم يداً بيد، الحزم والجدية كانا أساساً لكل تعامل، والاعتبارات الانسانية لها حضورها بالقدر الذي لا يؤثر على المصلحة العليا للوطن. وتابع في نبرة صدق، لا تخلو من التأثر: الحزم والانسانية والوطن والتفاف أبنائه حول هدف سام هو حمايته، جعل منسوبي هذا القطاع جسداً واحداً، يتألم ويحزن منسوبو القطاع في الجنوب، اذا لحق بأحد الزملاء في الشمال او في اي منطقة اخرى اي مكروه. الكل يعمل بجد وإخلاص ويقبل على الحياة وهو يدرك ان الموت قد يكون على بعد خطوات منه. سواء كان على حدود الوطن يذود عنها بروحه، او يقوم بواجبه في الداخل. وهنا توقف عن الحديث وطلب من الحضور الدعاء بالرحمة والمغفرة لمعالي الفريق زميم السواط مدير عام حرس الحدود الذي وافته المنية وهو يقوم بواجبه في المديرية العامة. كانت لحظات مؤثرة، امتزج فيها حب الانسان بالأرض وبعشق التضحية من أجل الوطن والمقدسات بصورة مذهلة. سألته ماذا يريد ان يقول وهو ينظر الى الوراء لسنين من الحب والعطاء، قال: أنهيت واجبي في حرس الحدود عند ما بدأت الخطط لاستخدام الحديث والمتطور من الاجهزة والمعدات بعد ان كانت البداية متواضعة، هذه المسيرة تُحتم ان ادعو انا وانتم بالرحمة لمهندسها ورائدها الاول صاحب السمو الملكي المغفور له بإذن الله الأمير نايف بن عبدالعزيز الذي حلم وأنجز الحلم على أرض الواقع، وكان دوما منارة بالحب والقدوة والتضحية لقطاع حرس الحدود ومنسوبيه.شكرته وقد بلغ بنا التأثر مبلغه، وسألته إن كان يريد أن يضيف شيئا؟ فقال: أريد ان تُسمع أبناء الوطن حديثنا هذا- وكان جهاز التسجيل يعمل طوال فترة الحوار-، فصارحته بأنني أتمنى ذلك، ولكن ربما لا يتسنى لي اسماع السعوديين والسعوديات هذه الصور الناصعة من حب الوطن، لاعتبارات كثيرة. قال لي: بتلقائية اكتبها للناس، قلت: سأحاول. وافترقنا وكان هذا النص الذي أتمنى أن يطلع عليه الجميع وخاصة سمو ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز ال سعود - حفظه الله - كرسالة من أحد أبنائه في حرس حدود هذه الأرض الشامخة. اشكر بإخلاص مشعل مسعود علي اليامي بطل هذا النص الذي عمل في مختلف قطاعات حرس الحدود، وتقاعد قبل مدة، ولا يزال يحتفل بذكرياته، ورفاقه، والوطن، في داخله. 