حسن السبع

ثقافة بين سياجين

يقال إن القرون لا تنتهي على وقع صافرة. أي أن للزمن امتداداته. وقد شهد القرن الماضي توجهين مضادَّين لأي نشاط ثقافي خارج سياجهما أو دائرتهما المغلقة. ولكل منهما مرجعية مختلفة. التوجه الأول شمولي طوباوي يصادر الإبداع الذي يمسُّ سلطته المطلقة، ولا يقبل بنسبية الأشياء، باعتبارها هرطقة تخالف ما تبشر به يوتوبيا ذلك التوجه. أما التوجه الثاني فهو تقليدي محافظ ينسج على منوال مثالٍ سابق، ويرجح كفَّة الاتباع على الإبداع. يلخص أدولف هتلر رؤية التوجه الأول بقوله: «إن من يرى السماء خضراء والمراعي زرقاء لا بد من إعادة تأهيله». وتأمل كلمة «لابد» وما فيها من قسر وإكراه. يعترض أدولف على خضرة السماء وزرقة المراعي، مع أن السماء التي تظلّه حمراء، والأرض التي تقلّه سوداء. وإذا ما تعلق الأمر بالإكراه فلا فرق بين مختلف الأيديولوجيات. كان «لابد» أن يغني الكاتب في المعسكر المضاد، أغنية جماعية. وقد يرسل ضمن فوج تأديبي لإعادة تأهيله إذا علمت إدارة الرقابة على الذائقة أنه من متذوقي الفن التكعيبي، أو من محبي موسيقى الروك الامبريالية مثلا. دعونا نتأمل مثالا حيا: بدأ الروائي ميلان كونديرا مشواره الأدبي بكتابة الشعر في محيط تلك السماء الحمراء، وحين صدرت مجموعته الشعرية «نزهة سوداوية» تعرض للنقد العنيف، لأنه «من غير المقبول أن يكون المرء سوداويا» في ظل نظام شمولي. هكذا تعلق نانسي هيوستن في أحد فصول كتابها (أساتذة اليأس). وكما ينزعج النظام الشمولي من السوداوية، تزعجه الدعابة السوداء لأنها نقد لاذع للواقع، ولا تتناغم مع تصورات اليوتوبيا الموعودة. وكان غموض النص جزءا من مؤامرة أكبر. وقد وجدت في العالم العربي نسخا مقلَّدة من ذلك التوجه، مع بعض التعديلات الطفيفة. فماذا عن سياج التوجه المحافظ الثاني؟ وما الذي يجري حين تمنح الأرقَ لونا والانتظارَ طعما والفرحَ أجنحة؟ سوف يتساءل «عريف الفُوهرر» العربي قائلا: «وهل للأرق لون، وللانتظار طعم، وللفرح أجنحة؟». يُطرح هذا السؤال الإنكاري في محيط ثقافي واجتماعي يعيش على البلاغة وحدها، ويغفو على وسادة من المجاز، حتى اعتُبر ذلك أحد أسباب الإخفاق. كان «وكلاء» الشأن الثقافي سدنةً للوصايا التقليدية المتوارثة. وكان الانسجام بين رأس المؤسسة الثقافية والتيار المناوئ للتجديد راسخا. وهو تيار يرى في التجديد شكلا من أشكال التلوث الثقافي، ويعتبر التماس مع الثقافة الكونية تهديدا للهوية. هكذا كرست الوصاية على النشاط الثقافي ممن لا علاقة له بالثقافة الجديدة حالة من السأم أدت إلى إضعاف علاقة المؤسسة الثقافية بالأصوات الفاعلة والمؤثرة. فأصبح التواصل مع أصحاب التجارب الجديدة معدوما. وصار من المتعذر تحقيق حراك ثقافي حقيقي يناسب روح العصر. وقد أدت حالة السأم وعدم الانسجام مع ذلك الركود الثقافي إلى انكفاء الأصوات الجديدة على نفسها، والبحث عن منابر أخرى. وتلك هي «الشلة الثقافية» بالمعنى الإيجابي للكلمة، أي الجماعة ذات الميول الثقافية المشتركة. فهل تغيرت الحال في الألفية الثالثة عما كانت عليه في القرن الماضي؟ هل أزيح ذلك السياج؟ وهل تجاوز المثقف حالة الانكفاء؟. لو طرحت هذه الأسئلة على المعنيين بالشأن الثقافي العربي فقد تسمع إجابة صادمة تقول: «ما أشبه الليلةَ بالبارحة»! فإذا ساورك بعض الشك لأن ما تشهده الساحة من «كرنفالات ثقافية» لها طنَّة ورنَّة لا يدعم تلك الإجابة، فقد يذكرك بعضهم بقول أبي الطيب المتنبي: «أعيذها نظراتٍ منك صادقةً/ أن تحسبَ الشحمَ في من شحمه ورمُ»!