عبدالعزيز اليوسف

العلاقمة الجدد..

نظرية «العلقمة» ستبقى تاريخية في فرضيتها، وتستمر مادام هناك من يقتات على نتائجها ولم يخلُ مجتمع منها، حيث تستثمر بعض العقول هذه النظرية في صناعة علاقمة في المجتمع يؤذونه بكل سفاهة عبر أطروحات الانتقاص والنقد العقيم والجلد الظاهر كل مرة، فما أن يهدأ المجتمع من الضجيج إلا ويقفز أحدهم بآفة حولنا. ومؤكد أنه على أرض الهوى تنساق القلوب المريضة، وفي دروب الضغينة تسير أقدام الشكوك، وتبقى الشخصيات المأزومة في دوامة التشهي والتشفي. الامتلاء باليقين يجعل الرشيد منا يدرك أن المفسدين يدّعون كل مرة غاية الإصلاح مع أن أرواحهم بعيدة عن الصلاح، ويجعلنا «نتموقع» أمام حاجاتنا الاخلاقية المرتبطة بثوابتنا وقيمنا بهدوء واقتدار. أطروحات.. أكاذيب. افتراءات.. اتهامات.. تقذف.. تقال.. تكتب هنا وهناك.. يتفنن صنّاعها في صناعتها، وحبكتها.. ويبذلون عنفوانهم، جهدهم، وفكرهم، ومخزونهم النفسي والثقافي واللفظي لكي ينتصروا لذواتهم. هم العلاقمة الجدد الذين سخّروا منابرهم.. ليسخروا.. ليبدلوا.. ليغيروا الكثير، بل اشغلوا رؤوسهم، وضيعوا أوقاتهم لمحاولة إنتاج مفاهيم وقيم منكرة، واخرجوا أنفسهم عن قيمتهم الحقيقية إلى مستويات أعلى ليقودوا تيارا مائلا، أو توجها سائرا، أو ميلا جائرا.. الهدف هو تركيب واقع مستحدث بنمط قسري.اسهموا كثيرا في تجذير ثقافة الاختلال، وسلوك الخلاف في حياة المجتمع، وصنع انحناءات وتعرجات في طبيعة العلاقات الاجتماعية بين مكونات الوطن، وتغذية حس التوجس من الثوابت، والرموز، الانتماء، حتى من المؤلم أصبح البعض يدرج من يشاء تحت دوائر التصنيف.. ومربعات الاقصاء.هؤلاء العلاقمة الجدد يحملون أفكار الشقاء نتيجة الفصام الفادح بين المثال الانتقائي الزائف الذي ينشده وبين الواقع الذي يحاصره.. من هنا.. اتجهوا إلى تهميش الآخر وعزله بوضعه دوما في قفص الاتهام والترميز والاسقاط .. فكانوا عونا للمتربص بأن يستعمل أطروحاتهم المختلة ليؤكد مقولة: شهد شاهد من أهلها.. بالطبع العلقمي الجديد لا يبالي بذلك لأنه قد يتصالح مع أي أمر مقابل تسويق ظنونه، وادعاءاته، وتمرير رسائله.لقد اتجهوا بعقول جمهورهم المغلوب على أمره إلى مواطن الاستغفال والاستخفاف عبر مسارب الوهم.. وحبسوا الاصلاح الحقيقي في سراديب الجدل والتعطيل، وسمحوا لدخيل الأفكار، وغريب الطرح بان يكون قضية للحوار والنقاش والطرح.واجتاز كثير منهم حدود الحرية في التعبير التي رسمت للناس بريش الريبة.. فكان التطاول متأججا، وصار الاقصاء قبولا من عدمه.. وأصبح التشتيت لغتهم.. وأمسى اللغط صوتا لهم.. ولم يقبلوا بأن يكون للرأي الحق مكان أو مجال للطرح لأنهم يقولون ويتغامزون ويطرحون للتشويش وللوصول إلى مناطق العدم والجمود لا مواطن الحق والحقيقة.نظرية العلقمة التي يتبناها البعض بقصد أو بدونه تجعله موظفا لإبليس قبل أعداء الدين والوطن، ويكون فلاحا يغرس الشقاق والتفرقة ـ يدري أو لا يدري ـ وتجعلنا مرتبكين في حالات التقييم، وتائهين في مواضع التقويم فلا بداية معروفة ولا نهاية معلومة.في ميزان العدل توزن القِيمة لا القائم، وفي مكيال الدين يستوفى الحق ولا يُخسر منه شيء فهذه دوافع بقاء الخير واستمرار الأمان في مجتمع ما.. فلا ضرب فكري ملوث، و لا حوار بنائي احادي مفسد لأن البقاء والعلو لما هو حق فقط، أما علاقمة التخريب فهم مكشوفون ومنابرهم معلومة، وهم مشغولون بالرسوم دون الفهوم، وبالمرفوض دون المفروض.بإيجاز هم يؤذون الوطن.. المجتمع.. واطروحاتهم يمقتها الكل حتى لو أيدها فريقهم.. وباختصار هم يسعون بالشر لا بالخير.. ويستغلون المنابر المختلفة في زراعة التوتر.. وتعزيز الاندهاش من وجودهم بيننا بهذه الصورة وبتلك المشاهد.