مصائر الناس على المحك
تعارف الناس على أن أي آلة أو مبنى أو مشروع تحتاج جميعها إلى إصلاح أو ترميم أو صيانة، وقبلوا بذلك دون مناقشة وأخذ ورد. فهذه من الأمور البدهية، التي لا يختلف بشأنها أحد من الناس، لكن المشكلة تكمن في كون الناس تهاب من تعميم هذه المفاهيم على حياتهم أو مشاريعهم الوطنية أو الثقافية الكبرى. فلو ناقشتهم في قضايا الإصلاح المجتمعي أو الديني أو الثقافي، لوجدت أصنافاً من الردود والمواقف، التي تتباين جذرياً، فبعضها يقبل بصورة كاملة، وبعضها يقبل بشروط، وبعضها يرفض رفضاً قاطعاً كل ما يمكن أن يغير أو يحدث ما اعتاد عليه في أي من تلك الأمور. مع أن الإصلاح يستمد مشروعيته من إمكانية قطعه الطريق على مخاطر أخطاء التطبيق، ويضمن مراعاة الأمور المستجدة بعد تبني الأفكار عند تأسيسها. وقد تشابكت في العصر الحديث مصائر المجتمعات البشرية بصورة عامة، إلى الدرجة التي أصبح بعض الفلاسفة والأنثروبولوجيين يطلقون على الوضع الحالي «الكونفدرالية العالمية»، حيث أصبحت مواجهة التحديات الكبيرة أساساً يعتمد عليه بقاء الحضارة، وربما بقاء النوع البشري نفسه. وأتصور أن المطلوب هو وضع الرهان على نتائج الإجراءات والتطبيقات الموجودة أصلاً، وليس على مصدرها أو قوة مؤيديها، وليكن ذلك محاكاة للرهان البسكالي الشهير: «لنزن الربح والخسارة في أي عمل نريد القيام به أو تقويمه، قبل أن نصدر عليه الأحكام». وأظن أن هذا المبدأ سيقيض لنا مجالات إصلاح كبيرة، إن التزمنا بما يفرضه التقويم المحايد على أي إجراء أو تطبيق نود تقويمه. كما أود التنويه إلى أن المعوّل في كل ذلك يكون على النتائج، وليس على الأساليب أو موقع الإجراء وعينات التطبيق، فلا يمكن لنا أن نترك أموراً تدار على نفس المنوال لعقود من الزمان دون أن تكون هناك نتائج إيجابية، أو أن تصل إلى حد غير مقبول. فإذا كان الأمر يتعلق بحياة الناس ومستقبل البلاد، فإن أهمية هذه المراجعة والتقويم تكون أكثر إلحاحاً وضرورة في بدء التطبيق وتواصل متابعته إلى أن يسير سيراً طبيعياً بآليات مراقبة تضمن استمراره في التطور. سآخذ مثالاً من الأمور، التي تركناها دون مراجعة جذرية، فكانت النتائج فيها وخيمة، أهمها ما جرى عندما تركنا التعليم لفترة طويلة بأيدي البعض، يعبثون فيه كيفما يشاؤون. وعندما استيقظنا على النتائج لم نغير الأمر كلية، كما لم نجر مراجعة لمعرفة الحد، الذي وصلوا إليه في المنظومة، من أجل تحديده وإصلاحه. كما أننا لا نزال نهاب من إعلان النتائج المخيبة، لكن الأمر لن يطال كل ما يحتاج إلى إصلاح، إذا لم نتحدث عنه علانية، ونحدد ما الذي نريد فعله بدقة وشجاعة. لماذا نقول ان الأمر يتطلب شجاعة؟ ذلك لأن كل جديد يسبح ضد التيار، والإنسان التقليدي - وأغلب معارضي الإصلاح من التقليديين - بطبعه يرهب الجديد، ويخشى الأسئلة المزعجة، لأنها تزعزع اقتناعه الراسخ والمطمئن بما اعتاد عليه. فالعقل أيها السادة يتنافى مع التغطية على العيوب ومداراتها، وما يريده أعداء استخدام العقل هو المداراة على كل ما هو سائد، وربما إعطاء الأشياء أسماء جديدة، لإيهام الناس بأن هناك تغيراً في المواقف السابقة، وأن معالجة تتم لحالات القصور، التي أدت إلى نتائج غير محمودة. والعالم في العصر الحديث - مثلما ذكرنا في كونفدراليته العالمية - لم يعد يقبل بأنصاف الحلول. والأهم من كل ذلك أن مصائر الناس ليست لعبة، ليقول بعض المنظرين: يالله نجرب هذا، وإن نفع وإلا جربنا الطريقة الثانية!