لمى الغلاييني

منتجاتنا سر سعادتك

تنهال علينا مئات الرسائل الإعلانية يوميا أينما توجهنا في الشوارع والصحف والفضائيات والانترنت، ففي أحد الملصقات الإعلانية في شارع مزدحم يظهر رجل يقف في ثقة مستعرضا ساعة ذات اسم تجاري شهير تلتف حول معصمه وبجانبه عبارة بارزة الحروف تقول «دع الجميع ينبهر»، وعلى صفحة مجلة شهيرة يقابلك إعلان فيه امرأة جميلة تمسك بيدها حقيبة أحد بيوت الأزياء وعبارة تقول «كوني حديث النخبة»، وحين تجلس آخر اليوم أمام التلفاز لمتابعة برنامجك المفضل يمطرك سيل من الدعوات المبرمجة للبحث عن استحسان الآخرين، عن روعة ذلك العطر أو قوة تلك السيارة، أو أهمية ذلك المستحضر وتدور جميعها حول هدف خطير جدا وهو «الآخرون»، افعل هذا تبهرهم، اشتر ذلك تعجبهم، تكلم هكذا تنل مديحهم، امتلك هذه تكسب تقديرهم، والمشكلة أن الكثير قد استجاب بقوة لتلك النداءات، خاصة فيما يتعلق بالمظهر الخارجي، فلابد من استخدام تلك المساحيق لتصبحي جميلة، وأن يكون حجم عضلاتك هكذا لتكون جذابا، وألا ترتدي تلك التصميمات بعد الآن حتى لا تتهم بجهل الموضة.تحمل هذه الرسائل الإعلانية رسالة سلبية للعقل الباطن مفادها أنك باعث للنفور وناقص الأهلية ان لم تستر عوراتك وتبادر بالشراء وكأنهم يصيحون بك: «منتجاتنا سر سعادتك»، وهم بذلك يزجون الفرد نحو الانشغال المحموم بإخفاء طبيعته الحقيقية خلف طبقات من الأقنعة المزركشة.من السهل أن نفهم الهدف المادي البحت المحرك لتلك الجهات، لكن ما يصعب فهمه هو قابليتنا السهلة لابتلاع الطعم والسير خلف مخططاتهم والاقتناع بجدوى أفكارهم، حيث يصل المرء لدرجة يتخلى فيها عن طبيعته مقابل ذات زائفة يكتنفها التكلف.يبدو أن بذور منشأ تلك المشكلة هو السعي إلى نيل استحسان الآخرين، الذي قد يتطور ليصبح خللا نفسيا في الشخصية بتحوله من مجرد رغبة عادية إلى حاجة ملحة، وإذا لازمت هذه الحاجة شخصا ما فستكون حياته مثقلة بقدر عالٍ من الإحباط، لأن خيوط معنوياته تبقى مرتبطة غالبا بآراء الآخرين فإذا منحوه كلمة إيجابية طار بها فرحا، وسينتابه الانهيار مقابل أي تعليق سلبي أو إذا لم يوافقوه الرأي أو لم يحظ بما يتوقعه من مديح، وهذا شيء مدمر للنفسية، إذ لا يمكن لشخص أن يكون محط إعجاب الآخرين معظم الوقت، ولا يعقل أن تمر حياة أحدنا دون أن يتعرض لقدر كبير من استهجان بعضهم وسخريتهم، فهذه بمثابة ضرائب حياة لا مفر منها.أنت الذي تحدد قيمة نفسك ولست في حاجة لربط ذلك برأي الآخرين، ولأنه ليس من السهل أن نستأصل تلك العادات من التفكير المترسخة في عقولنا منذ الطفولة، فإن الأمر يحتاج لفترة من الزمن حتى نتعلم كيف نميز بين ما نرى أن فيه سعادتنا وبين قناعات الآخرين أو تزييف الشركات المعلنة لما يريدون إقناعنا به بأنه لا بديل لنا عنه للعيش بانسجام، وأن نتدرب على قبول الذات الذي يعني التحلي بنوع من الرضا الكامل عن ذواتنا، ولا يقصد بذلك أن يصول المرء ويجول متعاليا عن أي تطوير، ولكن أن يكون محرك ذلك هو الشعور بالحاجة إلى النمو وليس بدافع النقص ورفض الذات والخوف من رأي الآخرين، ولنبحث عن مزيد من أساليب العيش تمكننا من الشعور بالسعادة لأننا «نحن كما نحن» إذ ليس للآخرين شأن في إحساسك بقيمة ذاتك، وإذا اعتمدت على تقييمهم في تقدير ذاتك فذلك يعتبر تقديرا لهم وليس لك.