د. سمية السليمان

علاقتنا القاحلة مع الطبيعة

متى آخر مرة مشيت فيها حافي القدمين على رمل أو عشب؟ هل تتذكر أصلا ذلك الشعور الجميل؟ متى آخر مرة تأملت و شعرت بسكون في الطبيعة بمد نظرك إلى بحر أو نجوم أو غروب الشمس؟ متى استمتعت بحالة من الهدوء والصمت في مكان طبيعي آسر بجماله؟منذ الثورة الصناعية وإلى اليوم نجد الإنسان مهيمنا ومسيطرا ومشكلا للبيئة من حوله، بعد أن كانت علاقة الإنسان مع الطبيعة علاقة تكامل وتوازن نعتمد عليها اعتمادا كليا للحصول على مواردنا من الماء والغذاء انفصلنا عنها مع التطور الصناعي ظنا منا أننا ما عدنا بحاجتها وتغيرت علاقتنا بالبيئة لتكون مصدر استغلال ونحن سادتها. شيء فشيئا ابتعد الإنسان عنها وأحاط نفسه بالمدن الخرسانية والطرق الاسفلتية ونفى الطبيعة إلى أماكن وبقع خضراء صغيرة في وسط الأحياء أو خارج المدن. تغطرس الانسان الذي اعتقد انه هيمن وانتصر على الطبيعة وشكل بيئته بنفسه ليطاوعها لرغباته، ولكن مثل الطفل الذي يسمح له أن يفعل ما يريد دون أن يعرف مصلحته أصبحنا نحيط أنفسنا بما يضرنا وتمادينا في ذلك باسم التحضر والتمدن.وعلى أن الطبيعة جميلة تمتع الناظرين، إلا أن فائدتها تتعدى متعة النظر، أثبتت الدراسات أنها تخفض ضغط الدم والإجهاد وأن المشي في الطبيعة يقوم بنفس دور الأدوية في علاج الاكتئاب الطفيف إلى المتوسط. نباتات قليلة في مكان العمل تزيد السعادة والإنتاجية والأمثلة كثيرة، أما ابتعادنا عن الطبيعة فله مضار كثيرة منها مضار سلوكية، حيث تشير الدراسات إلى زيادة الجرائم في الأحياء السكنية التي تقل فيها النباتات والمساحات الخضراء، كذلك تزيد السمنة بين الأطفال ويزيد التوتر و الاكتئاب. عام ٢٠٠٥ وصف الكاتب الأمريكي ريتشارد لوف في كتابه (Last Child in the Woods) الحالة التي يعاني منها الكثير من الأطفال نظرا لابتعادهم عن الطبيعة باضطراب نقص الطبيعة (nature deficit disorder) وهذه على أنها ليست حالة مرضية يمكن تشخيصها، إلا أنها وصف لما نعانيه بشكل عام. كيف يمكننا أن نعلم أطفالا لم يتعايشوا مع الطبيعة أنها ذات أهمية لحياتهم؟ عندما لا نحترم بيئتنا كيف يتوقع منا المحافظة عليها؟في بيوتنا نبلط الارتدادات خوفا من حشرة، وداخل البيوت تقل النباتات بحجة أن الاعتناء بها صعب. أبعدنا كل شيء أخضر رغم فرحتنا بالالتقاء بالخضرة في مكان عام، أما على مستوى مدننا في المملكة فالحال بائس. وزعت الأراضي وخططت الأحياء ليكون الحد الأدنى المطلوب من المرافق العامة ومنها الحديقة هو السائد. نبسط رقعة صغيرة خضراء بجانب مسجد حتى يأتي بعد حين طلب لتحويل هذه الحديقة المتواضعة إلى مواقف لمسجد لا يمتلئ أو يتم الاستيلاء عليها أو تطرح للاستثمار. الحدائق ليست فقط رقعة خضراء تذكرنا بما فقدناه من طبيعة أو تكون متنفسا لفترة قليلة، بل هي حلقة الوصل الهزيلة التي بقيت ويجب علينا عدم التنازل عنها والمطالبة بالمزيد منها بمساحات أكبر وتصاميم متنوعة. الحدائق في المراكز الحضرية ضرورة، وأطالب بإعادة النظر في الاشتراطات التخطيطية للأحياء، فما ولى ووزع صعب التغيير وإن لم يكن مستحيلا ولكن المخططات المستقبلية يجب أن تأخذ في الحسبان النقص الحالي لأماكن ذات جودة عالية. حالة النفور من الطبيعة نجدها كذلك متفشية في المدارس والجامعات والمستشفيات والمشاريع الكبيرة التي أصبحت منشآت قاحلة تفتقد أدنى الجماليات الطبيعية التي تلامس الروح. كل هذا مما نفتقد ولكن ما هو موجود بالفعل أيضا ليس مرضيا بالدرجة الكافية. بساط أخضر تنتصفه مراجيح اختيرت من كتالوج وكررت في المدينة ليس كافيا ليجعل الناس ترتاد الحديقة، ثم متى نرى شجرة اكتمل نموها؟ فالشجرة لدينا تقلم بشراسة واستمرار كأنها قلم رصاص أعطي لطفل تعلم لأول مرة كيف يستخدم البراية ويود أن يرى قلمه يتلاشى. أشجارنا لا تبرد ولا تظلل ولا تسر. لم يعد كافيا أن نتعامل مع المسطحات الخضراء على أنها مشاريع مستقلة، بل علينا أن نعيد النظر في تخطيط المدينة كمنظومة متكاملة بإدخال الحدائق وزيادتها وتنويع مساحاتها والأنشطة التي ترتبط بها. العلاقات التي نبنيها ونعتني بها ونحرص على المحافظة عليها أصبحت تتقلص في زمننا هذا ولكن علاقتنا مع الطبيعة يجب أن تكون من العلاقات التي ننميها ونحافظ عليها ليس من أجل الطبيعة، بل من أجلنا.