د. فالح العجمي

كيف ابتكر الإنسان القتل؟

يقال ان الإنسان يتميز بكونه دائم التفكير في شؤونه، مما يحدوه إلى ابتكار أشياء قد تكون مفيدة له في ظروف معينة؛ لكنها قد يساء استخدامها لاحقاً من الأجيال التالية، فتصبح أداة ضارة بالبشر، أو فكرة تؤدي إلى تعاسة الناس. وهذا ما يميز بعض ابتكارات الإنسان المثيرة للجدل، مثل: الأسلحة البيضاء بشتى أنواعها، وأسلحة الرماية، وآلات صنعها الإنسان لإطلاق أدوات القتل على حيوانات الصيد وللدفاع عن نفسه من الحيوانات المفترسة أو الاعتداءات من الآخرين، لكنها أصبحت تستخدم أدوات لقتل مجموعات بشرية أخرى. كما أسهمت ابتكاراته في التوصل إلى البارود والديناميت والتي إن تي، ثم البندقية والمسدسات والرشاشات والمدافع والقنابل والصواريخ والطائرات القاذفة، وأخيراً القنابل الذكية والصواريخ الموجهة والأشعة القاتلة والأسلحة الذرية والهيدروجينية والفراغية، إلى آخر ذلك من أدوات القتل الفردي والجماعي والدمار الجزئي والكلي.لكن لماذا أصلاً تفتق ذهن الإنسان عن هذه الأفكار الشريرة؟ هل هو بطبعه شرير، أم كان للمصالح الفئوية والعرقية والدينية المختلفة والمتناحرة دور في ذلك؟ أم إن ذلك من تطورات العلم والتنافس السياسي والاقتصادي، وما يتبعهما من محاولات الهيمنة العسكرية على الجغرافيا، ومن يقطنها من الناس؟تأتي مقولات النزاع بين هابيل وقابيل في التاريخ البشري الموغل في القدم بوصفها مبررات للطبع العدواني، الذي يتسم به الإنسان منذ مراحل تاريخه القديم؛ لكنها في الوقت نفسه تعطي مجالاً للتفكير، بأن الاختلاف في التكوين المهني هو الأساس في استعداء الذات تجاه الآخر، خاصة عندما تكون المصالح المهنية متضاربة إلى حد التناقض. فإذا كانت خلفية كل من هابيل وقابيل الزراعية والرعوية هي السبب في ذلك العداء، وسعي أحدهما إلى قتل الآخر، فإن محاولات السيطرة على موارد معينة لدى الأفراد، أو سعي بعض الكيانات السياسية للتوسع، ونشر أفكارها لدى الفئات الأخرى بالقوة، ربما تكون من دواعي الحرص على امتلاك السلاح الفتاك، والتدرب على استخدامه، لإيذاء من لا يقبل الانضواء تحت تلك المظلة الفكرية.فإذا أخذنا في الحسبان أن الإنسان أصلاً لا يمكنه أن يتخلص من غريزته الفطرية في حب التملك والسيطرة، وهما الصفتان اللتان ساهمتا بكل تأكيد في زيادة نفوذ التوجهات الرأسمالية في التاريخ البشري، فإننا نكون إزاء كارثة محققة في كل حقبة من حقب تطورات السلاح في أيدي البشر. ففي العالم القديم كان القتل الجماعي أسلوب حياة لكثير من الأمم، فالامبراطور الفارسي قورش كان يقوم بالتوسع الكبير في مملكته معتمداً على قوة السلاح وتدريب جيوشه القوية عليه، والزعيم المقدوني الاسكندر الأكبر كان أيضاً مستعداً لغزو نصف العالم القديم، وإبادة من يعترض طريقه لتوسيع نفوذه، والقضاء على منافسيه أينما وجدوا. وفي أواسط آسيا نشأت القوة البربرية بزعامة تيمورلنك وجنكيز خان، حيث تفنن المغول في قتل الناس بطرق بشعة، وإن اعتمدوا على الأدوات الحربية البسيطة. وفي شمال أوروبا كان الفايكنج يعتمدون قتل خصومهم، وإبادة مدنهم وقراهم بالكامل، مما صنع لهم سمعة مرعبة لدى الأمم المجاورة لهم في تلك الفترة.أما في العصر الحديث فقد تعددت المذابح الجماعية لأعراق بأكملها، بدءاً من الأرمن في مطلع القرن العشرين الميلادي، ثم اليهود والغجر وفئات أخرى على أيدي النازيين في أوروبا، وإبادة أغلب سكان مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين بالقنبلتين الذريتين الأمريكيتين، وما زال التنافس محموماً بين الأمم. فما الذي تخبئه للبشرية الابتكارات القادمة في هذا المجال؟ وهل سيكون لتطوراتها مزيد من القدرة على التدمير أم سيعود الإنسان إلى رشده؟