د. طرفة عبدالرحمن

السخرية من الوطن

«استمتع في أرض الله خارجا، لكن لا تسخر من وطنك.. لا تتندر بوطنك، بالقول: البلد حار.. بالقول: وطني سيئ في كل نواحيه. لتعلم أنه لولا الوطن ما لبست ثيابك الغالية التي ترتديها خارجا في سياحتك.. لولا الوطن ما استأجرت سيارتك الفارهة هناك.. لا يوجد شعب يسخر من بلده كما يفعل بعض السعوديين.. هناك من يعيش في أوضاع سيئة في بلده لكنه لا يتهكم ويسخر من وطنه.. الهنود مثال على ذلك».كانت هذه كلمات د. عيد اليحيى مقدم برنامج «على خطى العرب». لا أملك حيال تعليقه المذكور سوى الشكر.. وأضيف على ما سبق أن مشكلتنا لا تقتصر على السياحة بل إنها تنسحب على مجمل قضايانا العامة. إذا كان حتما عليك أن تكره، لعدة أسباب خاصة بك، فلا تجاهر بالكراهية «هذا كمبدأ عام» ولا تفعل ذلك إذا كان ما تكرهه أو تحتقره ذا قيمة عند غيرك.. إذا كنت تجاهر بالحنق ضد وطنك لمبررات تتعلق بسوء السياحة أو سوء الأجواء أو أي عوامل أخرى، فهذه جريرة، أما إذا كنت تجاهر بالسخط ضد وطنك وأحيانا أبناء وبنات وطنك؛ متخذا أسلوب السخرية والتهكم لأجل إضحاك الآخرين، فهذه جريرة ممزوجة بخزي مركب.. بشكل عام منزلقات هذا السلوك تأتي من جانبين أحدهما شخصي نفسي، والآخر اجتماعي، الأول يظهر عند بعض الأفراد الذين لم يحققوا أهدافهم العملية أو العلمية أو الاقتصادية بالشكل الذي خططوا له، نتيجة عدم اتاحة الفرصة لهم بالشكل الميسر، وهؤلاء نحن لسنا ضدهم، وأعتقد أن كلا منا واجه صعوبات من هذا النوع، وتظل وسيلة التظلم والمطالبة بالحقوق وإتاحة الفرص بالطريقة المشروعة والإلحاح عليها أنبل وأرقى من تشويه سمعة الوطن والحنق عليه بطريقة بغيضة تشمل الجميل والقبيح فيه.. أما الجانب الثاني، الاجتماعي، فيتمثل في المزاج العام، فأحيانا يكون المتواتر في ثقافة مجتمع ما أن يذم الأفراد أنفسهم بأنفسهم، ويلعنون بيئتهم الثقافية والاجتماعية نتيجة تأثرهم بنكسات اقتصادية أو سياسية.. ولا أعتقد أننا نعاني مشكلة من هذا النوع تصل بنا إلى مرحلة التهكم على أنفسنا وبيئتنا ونسائنا ورجالنا وأطفالنا، كما يحصل في نكاتنا ومقاطع فيديوهاتنا المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.. أعتقد أيضا أن أحد أسباب تفاقم هذه المشكلة، وجود مشاهير ونخب فكرية وثقافية تنشد مزيدا من الشعبية والجماهيرية على حساب الحقيقة المتعلقة بقضايا المجتمع.. فعلاوة على أنهم يضللون الوعي العام، هم يضخون كمية من التشاؤم والإحباط في المزاج العام..أسوأ أنواع المقايضات تلك التي تحدث في الحب والولاء مع الوطن، تحت مبدأ إن أعطيتنا رضينا وإن منعت عنا سخطنا.. والأسوأ من ذلك يحدث عند فئة الجاحدين الذين يأخذون بلا حمد وشكر، بل إنهم يتجاوزون هذه الخطيئة إلى أنهم يذمون وينتقدون لأجل السخط والتذمر كهدف وغاية، وأحيانا ركوب موجة الانتقاد والتذمر في المزاج العام.