حسن السبع

مسار آخر لرحلة «بساط الريح»

«بساط الريح» صناعة خيال شرقي. بساط حاكته أنامل الساحرات؛ ساحرات ألف ليلة وليلة؛ ليالي الشرق التي أَلْهم سحُرها الكتَّاب والشعراء من مختلف الثقافات. لذلك يكتب الصحافي البريطاني والتر باجوت Walter Bagehot: «لقد كانت هناك حقبة من حياتنا بدت فيها الليالي العربية حلما وليست قصة. لقد عشناها في تداخل الهويات الضبابي نفسه، ذلك الذي نحظى به أثناء النوم، لم يكن هنالك علاء الدين بل واحد منا، ولكن في الوقت ذاته، لم يكن هنالك أي واحد منا بل علاء الدين، ينظر بإنعامٍ إلى الأشجار حاملة اللؤلؤ، ويسيطر على قدرات المصباح». «الوقوع في دائرة السحر/ د. محسن جاسم الموسوي».كان علاء الدين صاحب المصباح السحري أول قبطان لهذا البساط العابر للقارات. قبطان زادُه الحب وبوصَلَتُه الدهشة. ثم سافر بنا الموسيقار فريد الأطرش ومعه سامية جمال على هذا البساط الأسطوري من عاصمة عربية إلى أخرى. كانت رحلة دافعها الشوق، كما تنطق بذلك كلمات الأغنية: «يا طاير فوق وكلَّك ذوق/ أنا مشتاق وبَرَاني الشوق». كانت الآمال كبيرة، وكان كل شيء آنذاك واعداً، وكانت القلوب والعقول تتطلع إلى مستقبل أجمل ومناخات ثقافية واجتماعية زاهية. حتى أصبحنا نتساءل هذه الأيام: ماذا لو اتخذت الأحداث التاريخية منذ بداية القرن العشرين مسارا آخر، وتطورت الحياة في تلك البلدان على نحو متدرج؟وباستثناء السفر على ذلك البساط الخيالي، كانت الإمكانات المادية، آنذاك، بسيطة. يحل فصل الصيف ويرحل، والناس مرابطون في أريافهم وقراهم. وبسبب الظروف المعيشية، آنذاك، فقد اعتبر بعضهم السفر من أجل السفر وحده شكلا من أشكال الترف. وهو بخلاف ما نشهده هذه الأيام من موجات بشرية تشد الرحال إلى كل جهات الدنيا.كانت الاهتمامات أيضا بسيطة، وكان حلم المهتم بأمر الثقافة، على سبيل المثال، الحصول على مجلة أو كتاب وتَعَلّم لغة أخرى. يتذكر أبناء الجيل الماضي سلسلة عنوانها «كيف تتعلم الإنجليزية أو الفرنسية أو الإسبانية في سبعة أيام بدون معلم». كتيبات جيب صغيرة لا تُعَلّم شيئا على الإطلاق، ولو بقيت في جيب صاحبها سبع سنوات، وليس سبعة أيام. ثم جاء من سرق سحر بساط الريح، وحوّل تلك البيئة الجاذبة إلى بيئة طاردة. جاء مؤلفو سلسلة أخرى مختلفة تتصيد العقول الغضَّة الطرية التي يسهل تشكيلها، وتأخذها إلى مصير غامض. حيث يساهم ذلك التزاوج بين الخداع والسذاجة «خداع المتكلم وسذاجة المتلقي» في حشو تلك العقول الصغيرة بالأوهام التي تبرر لأصحابها ارتكاب أعمال لا تمت للطبيعة الإنسانية السوية بصلة.كانت كلمات الشاعر بيرم التونسي مؤلف «بساط الريح» تتغزل في هذا الحيز الجغرافي الجميل الممتد من الماء إلى الماء، والزاخر بالإمكانات الاقتصادية والثقافية والسياحية. حيث حوَّل ذلك التنوع الطبيعي والثقافي الفاتن هذه الرقعة الجغرافية إلى بيئة جاذبة تغري السياح من كل جهات العالم بالتوجه إليها. اليوم حلَّ المهربون الطامعون في المال محل علاء الدين، وحلَّت قوارب التهريب أو «قوارب الموت» المتجهة نحو مصير مجهول محل بساط الريح السحري «الجميل المريح» بعد أن أصبحت بعض البلدان التي سافر إليها فريد الأطرش على بساطه الأسطوري بيئات تفتقر إلى الأمن والاستقرار. اليوم عندما يسافر بنا فريد الأطرش على متن ذلك البساط السحري، وفي دوامة هذه الأجواء العاصفة المضطربة التي تجتاح المنطقة العربية، سوف يطلب منه المسافر تغيير مسار الرحلة إلى أن تنجلي الغُمَّة عن هذه الأمَّة.