محمد القويفلي النموذج النادر
رحل عنا الدكتور محمد بن سليمان القويفلي أستاذ الأدب والنقد الحديث في جامعة الملك سعود وأحد عرّابي برامج القياس، الذي امتد شأنه واشتد عوده على يديه وأيدي زملائه في تلك المؤسسة الوليدة الفريدة. ولئن كان فقده على أحبابه وأصحابه كبيراً، فإن المؤسستين قد فقدت فيه أيضاً الرجل الصادق المخلص في عمله والمدقق في تفاصيله. فقد كان شعلة من الحماس وآية في الهدوء أثناء العمل، وهو ما يندر وجوده عند من عرفتهم ممن سبق لي العمل معهم والاحتكاك بهم. فعندما يتولى عملاً، فهو يوالي الاشتغال عليه دون فتور، وفي الوقت نفسه لا يتعجل في استخلاص النتائج والانتهاء منه. وقد كان وقوراً في كلامه، مجلاً للآخرين في تعامله، لا يتعدى على أحد، ولا يرضى بالتعدي عليه أو على غيره. كنت قد زاملته في مجالس ولجان، وترأس بعض اللجان التي انضممت إليها، فما وجدت فيه - والشهادة للتاريخ - إلا نموذجاً مثالياً لما ينبغي فعله في أغلب المواقف والقرارات التي يتجه إليها. وكان في أغلب مواقفه العملية والشخصية ذكياً جداً ولمّاحاً وعادلاً؛ والصفة الأخيرة تكاد تكون الأهم في مجتمعنا، الذي ينظر بكثير من التجاوزات والنظر بأكثر من ميزان للأمور. وربما كان لظروف نشأته في الطائف ذات الهواء العليل والروح الثقافية المتسامحة دور في دمجه بين النموذجين؛ الأصل النجدي - القصيمي على وجه الخصوص؛ بما يحمله من عصامية وجدية في العمل، وتكوين النشأة في الحجاز، بما في ذلك من روح المرح، وتقبّل الآراء المختلفة، وأطياف الناس المتباينة. فهو منفتح، ويقول ما لديه دون مواربة، وذلك ما يتنافى مع بعض القيم الثقافية في القصيم بصورة خاصة، كما أنه ليس مكشوفاً بإخراج كل ما لديه دفعة واحدة، كما قد يحصل في كثير من النماذج الحجازية؛ فكان في اتزانه يشبه العطّار الذي دمج بين عطرين مختلفين، لينتج واحداً متميزاً ومختلفاً عن كل منهما. مآثر الراحل كثيرة، ومناقبه الحميدة متعددة، لكن قد يكون أكثرها أثراً ما ورد في ندوة التأبين، التي أقامها النادي الأدبي بالرياض مشكوراً، من أنه لم يُعرف له نزاع مع أحد من زملائه في العمل، أو مشادّة في الكلام، مما يحصل كثيراً بين أصحاب المهنة الواحدة بسبب تنازع المصالح، أو قصر النظر والتعجل في الحكم على الأمور. فقد كان متبصراً في شؤونه، خاصة تلك التي لها مساس بغيره من زملاء أو رؤساء أو مرؤوسين أو طلاب، ووقوراً في التعامل، لا يمكن لمن يكون له معه تواصل إلا إجلاله، واحترام أدبه في العرض، وتقصيه في التدقيق، وعدم جعله آراءه قطعية لا تحتمل التفاوض. أما السمة المعروفة عنه في كثير من البيئات التي عمل فيها، فهي الابتسامة الدائمة عند مقابلة زملائه ومعارفه، ورسم البسمة على شفاه الآخرين. فقد بقيت بعض أقواله الطريفة يتناولها زملاؤه في جامعة الملك سعود، كلما مرّ بهم موقف يذكرهم بها. وقد يخلط بعض الناس بين إيراده النكتة أو الدعابة في وقتها، وبين المواقف الهزلية، التي قد يوصم بها بعض المرحين في أساليبهم، ممن لا يأخذون أمورهم بجدية أبداً. فالعزاء لكل أقارب الدكتور القويفلي وأصدقائه وزملائه ومعارفه؛ وعلى وجه الخصوص لابنته الدكتورة نورة بنت محمد القويفلي، التي لا أظن أن أحداً سيفتقده أكثر منها. فقد كان لها الأب والصديق والرفيق، وكانت تلهمه بكل أنواع المحبة التي يزرعها لنفسه في قلوب الآخرين. وأظن حصاد الأعمال المثمرة، ومحبة الناس التي مارسها في حياته، ستبقى له في تاريخه.