عبدالله الغنام

البوكيمون بين الألم والمتعة!!

يقول الفقهاء في القاعدة المشهورة «الحكم على شيء فرع عن تصوره» وبناء على ذلك طلبت من أحد الأطفال المهتمين بلعبة «البوكيمون غو» والتي انتشرت مؤخرا في كثير من دول العالم بشكل سريع وجنوني، أن يريني كيف يلعبها حتى أعرف سر الهوس والجنون بها.في البداية دعونا نتحدث عن بعض من الأرقام ثم نبحث عن أسباب الهوس بهذه اللعبة. هي انطلقت حديثا جدا وذلك في بداية شهر يوليو 2016 !!. وبسبب الشعبية الجارفة لها، فقد ارتفعت أسهم الشركة المنتجة لها بشكل مذهل وسريع فاق كل التوقعات، والأرباح أصبحت بالملايين في أيام معدودة بحسب ما ورد في عدة صحف محلية وعالمية. والسؤال إذا ما هو السر في هذا الهوس المنطلق بجنون عبر القارات؟!التعلق والهوس بالألعاب كان موجودا منذ القدم، ولعل البعض يعرف كيف نشأت فكرة الألعاب الأولمبية في اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد. والبعض الآخر يدعي أن نشأتها كان له ارتباط بالميثولوجيا (علم الأساطير).ولكن ليس كل هوس بالألعاب مذموما، فهناك هوس محمود ويمكن أن يكون مفيدا بدنيا وصحيا، فقد ذكر ابن الاثير ان القائد محمود نور الدين الزنكي كان يحب لعب الكرة، فعاتبه البعض في ذلك فقال: إنما الأعمال بالنيات، و إنما أريد تمرين وتدريب الخيل على الكر والفر.وحتى لا أخرج عن صلب الموضوع واستطرد كثيرا (كما اشتهر عن الجاحظ) فإن المقال هو عن أسباب الهوس بلعبة البوكيمون غو!ولعل من الأسباب أن الإنسان في الغالب الأعم يحب تجربة الأشياء الجديدة لأنه ملول بطبعه، وفي نفس الوقت مولع وملهوف بكل جديد. وقد قال العقاد:«الولع بكل جديد كالولع بكل قديم، و دليل على نقص في التمييز، وعلى اتباع يخلو من الابتداع». ويدل على ذلك انتشار الموديلات والصيحات الجديدة في كل سنة خصوصا في الكماليات سواء كان في الألعاب أو الملبوسات أو المأكولات والمشروبات وغيرها.ومنها وللأسف الشديد الفراغ! بنوعيه المعنوي والحسي. مع أنه جاء في الحديث الشريف الصحيح «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ». ولكن الواقع يؤكد أن كثيرا منا لديه الوافر من الوقت ليضيعه يمنة ويسرة!!. مع أن الشاعر يوصي بغير ذلك، فقد قال أمير الشعراء أحمد شوقي:دقات قلب المرء قائلة له ** إن الحياة دقائق وثوانيفارفع لنفسك قبل موتك ذكرها ** فالذكر للإنسان عمر ثاني!!ومن الأسباب دمج الخيال بالواقع، وما أكثر ما يولع الإنسان بالأشياء الخيالية والغرائب والعجائب. ولأن هذه اللعبة دمجت الشخصيات الكرتونية الافتراضية بالواقع، فأثار ذلك حفيظة الناس وشغفهم، وحرك نفوس البعض للتجربة الوهمية.أضف إلى تلك الأسباب أنه كان وما زال للدعاية والإعلان سهام قوية وفعالة في التغيير والتأثير على الناس. والموجة القوية التي أحدثتها الأخبار المتلفزة، والصحف والمجلات، وشبكات التواصل الاجتماعي جعلت الانتشار سهلا وسريعا، وأدت بالتالي إلى قابلية الناس إلى ركوب الموجة من الصغار والكبار على حد سواء.ويدخل في ضمن ذلك الإطار الأخبار المحزنة والمفجعة التي رافقت تلك اللعبة مثل الحوادث المميتة من غرق أو تصادم مركبات أو دهس للأفراد من أجل لعبة!. اضافة إلى ذلك كمية الاشاعات المتداولة. ومنها أنها تنتهك الخصوصيات، بل ووصل الأمر إلى أن يدعي البعض أنها قد تكون من أبواب التجسس الدولي والأممي!!. كل تلك الأسباب جعلت لها هوسا وزخما طاغيا، وقوة دافعة للانتشار السريع والمريع.ولعلي أختم بأن أُذكر بأننا نحن البشر دائما نتمرجح في كل أقوالنا وأفعالنا بين الألم والمتعة. فهل اللعب يبعدنا عن ألم الواقع لنعيش ونعانق متعة الوهم والخيال؟!