هل تسمح لي بالخطأ؟
اتخاذ القرار مهارة يظن الكثيرون أنها من المهارات التي تأتي بالفطرة إما أن تولد بها أو لا. ولكن الحقيقة غير ذلك فكونها مهارة يمكن اكتسابها وصقلها. عند الحديث عن اتخاذ القرار قد تتخيل مثل ما كنت أتخيل في الماضي أن هذا الأمر يخص المسؤولين فقط وأن القرارات تكون بين احتمالين واضحين وكل معطيات الخيارات وتبعاتها معروفة وكل ما بقي هو الاختيار بينهم. بهذا يكون ببساطة أن نختار بين لونين مثلا.إن صارحنا أنفسنا علينا الاعتراف بأن غالب قرارات حياتنا تمت بالنيابة عنا إما من الأهل أو الجماعة أو «الناس» الذين نخشى «ما يقولون» كذلك الأصدقاء والإعلام والزملاء والأقران يوجهوننا في غالب الأمر لتوجهات معينة دون غيرها. فمن الذي اختار شريك حياته أو موديل السيارة أو حتى تخصصه الجامعي بلا تدخل «الناصحين» الضاغطين من حوله؟ وغيرها الكثير.حاول أن تتذكر، عزيزي القارئ، قراراً واحداً يخصك اتخذته بنفسك دون أن يتدخل فيه أحد وحتى بعد القرار لا ينجو من خالف الرأي من العتاب. فمن قرر أن يشتري سيارة وزل لسانه في مجلس ليفصح عن نيته تجده متذبذبا بين آراء من حوله وإن اتخذ قراره بما يخالف أحدهم وخدشت سيارته بعد ٥ سنوات مثلا تجد من نصحه بعدم اقتنائها يذكره بقوله «قلت لك لا تشتريها». مهارة اتخاذ القرار من المهارات الأساسية لمجتمع السعودية ٢٠٣٠ كونها أشارت إلى «تحمل المسؤولية» مرارا، وهو ما يتعلمه المرء من اتخاذ القرار.تعلم اتخاذ القرار يعطي الانسان بعد نظر لأنه يعتمد على التفكير في تبعات كل احتمال واختيار الأنسب ليكون الأكثر نفعا والأقل ضررا مثلا. ويرتبط بذلك، أيضا، تكوين الرأي بعد التعرف على المعطيات. لذا فإن تحمل المسؤولية واتخاذ القرار وتكوين الرأي كلها مرتبطة. مجتمعنا ما زال يغيب الآراء بالتخويف من التعبير عنها. فالابن الذي يخالف رأي أبيه في المجلس ينكر عليه وفي مجالس متخذي القرار تجد الغالب ينتظر رأي المسؤول ليوافقه. أضعفنا التفكير الذاتي باتكالية تتبنى شعار «الشيوخ أعرف» ولا يمكن لنا أن نتوقع من المجتمع أن يصنع ويفكر وينمي عندما ينساق بتبعية مطلقة وبلا تحليل وتمحيص.ما نراه اليوم من سلوك غير سوي وما يندرج تحت مسمى «طيش شباب» إن حاولنا تلطيفه هو نتيجة عدم التفكير في تبعات الأمر. فأي مفحط يفكر في احتمال إصابته أو قتله أحد المتفرجين؟ فالمتعة مؤقتة وهي الهدف قصير المدى. عندما نتخذ القرار يجب أن نتحمّل تبعاته دون اللجوء للغير ليتوسط ويخرجنا من الورطة ومنها ما نراه من القتل الذي يلحق بالدية. فمن يعرف الشخص المناسب أنقذه من تبعات القرار والأمثلة كثيرة.دور الأسرة في الرؤية ٢٠٣٠ كبير من حيث ارتباطها بالمراحل التعليمية المبكرة واستعادة جزء واسع من دور التربية الذي فقد في الآونة الأخيرة لذا أدعو لتنمية مهارة اتخاذ القرار من الصغر. ففي المراحل الأولى يمكن تضييق الاختيارات للأطفال أن لا تكون لهم الحرية المطلقة ولكن يفكرون في حدود معينة كلها مما يوافق عليها الأهل.على الأهل التحدث إلى الأطفال حول القرارات ليساعدوهم كيف يتعرفون على نتائج قراراتهم دون أن ينتظروا وقوع ما لا يحمد عقباه. عليهم التحدث معهم ليفهموا أخطاء غيرهم ويعرفوا كيف يتفادونها دون ضرورة المرور بها بأنفسهم. الأهل في الغالب يمنعون الخطأ بلا تبرير ظنا أن السلطة لديهم وأن أمرهم مطاع وإن لم يتم وقع العقاب، ولكن الواقع يبين أن الأهل لا يعرفون كل ما يقوم به الأبناء وتكونت لدى بعض الأطفال فكرة أن «أهلي منعوني.. وما دام أنهم لا يعرفون بما أقوم به فلا مشكلة». الأهل لن يلازموا أبناءهم طيلة حياتهم ومع كل ظروفهم لذا فإن دورهم الفعلي هو أن يمكنوا أبناءهم من اتخاذ قرارات صائبة وتربيتهم بتعريفهم الصواب والخطأ. هنا ينتهي دور الأهل. أما ما نراه من الانقاذ في المواقف الحرجة فهذا عكسي تماما لأنهم بذلك يعلمون الأطفال أنهم مهما أخطأوا فسينقذهم أحد من الحماقة.يجب ان يسمح لنا ان نجرب ونخطئ ليس لأننا نبحث عن الخطأ بل لأننا حاولنا ولم ننجح في المحاولة وهناك فرق واسع. في الأخيرة يكون لدي عنصر تعلم من الخطأ وتحمل نتيجته وهذا مما يدفع في المستقبل للتأني ودراسة الاحتمالات لتفادي التكرار للخطأ. أما ما نراه من المنع التام في أمور دنيوية بسيطة والتوجيه المطلق من الأم أو الأب أو المعلم أو المدير تساعد في استمرارية جو من الاتكالية. فإن كان قرارهم صائبا كان بها وإن كان خطأ لا أتحمل مسؤوليته كوني مأمورة.