خالد الشريدة

شرعية تركيا وحقوق الشعب

المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا قدمت طروحات في غاية الأهمية فيما يتعلق بحقوق الشعوب، فالشعب التركي الذي توافق على الديموقراطية هو الذي حماها كنظام مثالي لإدارة شؤونه بعيدا عن سطوة العسكر، ومنح شرعيته لمن انتخبهم لإدارة شؤون البلاد وفقا لتلك الحالة السياسية، أي اكتسب النظام السياسي الموجود، أيّا كانت مرجعيته السياسية، شرعية في الحكم وممارسة السلطة بموجب التفويض الشعبي.قفز الجيش الى السلطة ليس له ما يبرره، وفي كل التجارب المماثلة لسلطة العسكر وجدنا ترديا في إدارة الدولة وتراجعا في الحقوق الشعبية وتبع ذلك انهيارات اقتصادية ومعيشية بعيدة عن الحقوق في التنمية، ولكن في حال ارتضاء الشعب للجيش أو أي سلطة سياسية بغض النظر عن خلفيتها ومرجعيتها السياسية والأيدلوجية، يبقى ذلك حقا شعبيا يكسب الشرعية وتتحمل الشعوب تبعات اختيارها وتتعامل معه وفقا لذلك، لذلك فإن التجربة التركية الأخيرة أكدت أن الشعب هو مصدر السلطات بما يتفق مع السلوك الديموقراطي الحقيقي، فنظام الحكم كان على الحافة دون دعم وسند شعبي أعاد إليه حقوقه في ممارسة الحكم ورفض سلطة الجيش.لماذا تابع كل العرب تقريبا تطورات الأحداث في تركيا طيلة الأيام الفائتة؟ ليس بالضرورة للتنازع بين التيارات النخبوية العربية وتجييشها واصطفافها في معسكرات فكرية، وإنما لأن تركيا جارة مسلمة ولها تأثيرها في الشؤون العربية، ثم إن الشعوب تتعلم من بعضها وقد قدم الشعب التركي نموذجه في الحفاظ على دولته بالالتفاف مع خياراته وتأكيد حقوقه السياسية، فتركيا ليست مسلسلا من مائة حلقة أو مهند ونور ولميس وحلاق متميز وشاورما لذيذة وإنما هي دولة حضارية يمتلك شعبها وعيا متقدما وثقافة وكانت امبراطورية لها نفوذها رغم بعض العثرات التاريخية التي عاشتها في المنطقة، مع ذلك تظل حاضرة في الوعي العربي لأنها جزء من تاريخ طويل ومشترك.التجربة الشعبية في الالتحام مع قيادة الدولة من أهم الثوابت السياسية في الاستقرار والازدهار، وما حدث من الأتراك في اسطنبول وأنقرة يؤكد أن المرجعية الشعبية أكبر من أي مزايدات ولا يمكن للسلطة العسكرية أن تنجح إذا كانت مكشوفة شعبيا، من كل مواطن له رأي وحق، ودون أن تتمتع السلطة بالشرعية الشعبية فهي والعدم سواء ولا يمكن أن تستمر أو تنجح في أي برامج تنمية من حق المواطن، وقد كان الأتراك مصدر إلهام في حفاظهم على سلطتهم ودولتهم وحقهم الديموقراطي حتى لا يدخلوا أي أنفاق مظلمة مع سلطة لم يختاروها أو يتفقوا عليها على نطاق واسع.لا ينبغي أن نبالغ في رد الفعل تجاه ما قام به الأتراك، وفي نفس الوقت يجب أن نركز مع كيفية التحامهم مع قيادتهم ودولتهم بمن فيهم المعارضون الذين كانوا على مستوى عال من الوطنية والنزاهة السياسية، فالأوطان ليست محلا للمزايدات والصراعات وتصفية الحسابات، وذلك ما يجب أن تعيه شعوب المنطقة في البقاء خلف أنظمتها من أجل ممارسة حكم يعمل على تنمية بلادها وليس الصراع حول مكاسب سياسية ضيقة على حساب الوطن وتمزيقه وإدخال الدولة في حالة من التوتر الذي لا يخدم إلا أعداءها.