الأحلام واليوتوبيا.. الأمل والبؤس
كثير من البشر على الأرض لا تتحقق لهم شروط السعادة في حياتهم، فيعيش بعضهم على الأحلام، التي توطد علاقتهم مع الأمل، وتجعلهم يتصورون أن الحياة ستبتسم في وجوههم بعد عبوس، وسيجدون الإنصاف بعد أن مالت بهم الأقدار إلى ما لا يرضون. أما بعضهم الآخر، فيجنحون إلى تصورات خيالية (من اليوتوبيا، التي تنقل الإنسان من عالم الواقع إلى عالم افتراضي موازٍ، لا يشترك مع الواقع في أي من مقوماته)، فينتقلون بطريقة تفكيرهم هذه إلى منطقة لا يقاسمون بقية البشر أحاسيسهم، ولا طرق تفكيرهم، ولا يؤمنون بأي مشتركات لهم مع الكون وساكنيه. ومن خلال نظريات «فرويد» في التحليل النفسي لنوازع الطباع البشرية، يبدو أنه ليس هناك فرق بين أصحاب اليوتوبيا والمصابين بالبارانويا (جنون العظمة أو الهوس الشديد بفكرة غير منطقية) في السمات الشخصية لكل منهما، والسلوك المتوقع من المتصفين بأي منهما. حيث تطغى أمنية غير واقعية على تفكير الشخص المندفع إلى أي من السياقين الذهانيين، والواقع تحت هيمنة تسلط الأفكار النافرة من الاستقرار العصبي، المؤدية في الوقت نفسه إلى هيجان دائم بانتظار الوصول إلى محطة التوازن غير الموجودة أصلا. حيث يعيش النموذجان على تصور تجارب وهمية، وسماع أصوات من الداخل، تتطلب تجاوبهما مع إغراءات الهيجان بأنواع غريبة من السلوك، إذ تتحول العناصر الميتافيزيقية المتصورة إلى لوحات إرشادية في طريق السلوك المرغوب، وتوقع الاستجابات المطلوبة من الآخرين. سنترك فريق الأحلام، لندرة وجوده في منطقتنا العربية، ونركز على فريق اليوتوبيا، الذي شاهدنا حالات واقعية مؤلمة تؤكد وجوده بيننا، بل وتمادي رقعة انتشاره في بيئاتنا، في إنذار أتمنى ألا يكون متأخرا العمل على إصلاحه، أو درء أخطاره على أقل تقدير. فقد فجع المجتمع السعودي في فجر أحد أيام رمضان بحادثة ليست الأولى من نوعها لنموذج اليوتوبيا، لكنها أكثر إيلاما، لكون فقيدة المجتمع السعودي بمجمله - هيلة العريني - هي أم الشابين اليافعين، اللذين ارتكبا جريمة قتلها عن سبق إصرار وترصد. وقد ذهبت الآراء والتحليلات يمينا وشمالا، وكذلك الشتائم واللعنات، في كل اتجاه ووفقا لسيناريوهات متعددة، سواء كانت معتمدة على وقائع من الأحداث أم من وحي الخيال. لكن ماذا عن مسار خيوط التفكير المؤدية إلى مثل هذه الأعمال من شباب في أوضاع أسرية واجتماعية شبه مستقرة؟ وما الذي يمكننا استنباطه من تطور حالات التمرد العنيف على كل أطر التنظيم الاجتماعي والسلوكي، عند الشباب المراهقين، وفي مطالع العقد الثاني من أعمارهم؟ هناك نظريتان أصبحتا قيد التداول لدى الناس، سواء كانوا من الخاصة أو العامة، يحاول أصحابها وضع سيناريو قد يكون مقبولا لفهم الظاهرة. إحداهما تقول إن مثل هؤلاء الشباب قد اقتنعوا بصلاحهم التام، وأنه لا يتعارض مع هذا الصلاح إلا شخص مارق أو نبت شيطاني يجب عليهم اجتثاثه. فهل من المعقول أن يكون مجاهدا ينتظر مضاجعة الحوريات في المساء، ويحول بينه وبين تلك الرغبة المكبوتة أي أحد أو حائل مهما كان حجمه؟ أما النظرية الأخرى، فتقول إنهم مغسولة أدمغتهم بطريقة ذكية من مختصين برعوا في ذلك، وهم موجودون في تلك التنظيمات التي تجندهم عن بعد. وأصحاب هذه النظرية كأنهم يريدون إعلاء شأن القدرات التي تملكها تنظيمات بدائية لا تفلح إلا في القتل وممارسة الجنس البشع، ومن جهة أخرى، كأنهم يهدفون إلى تبرئة أولئك المجرمين، لأنهم يقتلون عن غير وعي، لذا فإن حكمهم مثل حكم المجنون. وأظن أن علينا أن نجتث الأسباب بعد تحريها!