اليورو مضاد للاكتئاب
كرة القدم.. هي طعم الحياة للملايين منهم.. صغيرهم وكبيرهم.. غنيهم وفقيرهم.. رجالهم ونسائهم، وما ندركه جيدا ان الشروق والغروب.. بداية ونهاية.. في مسرح الحياة الكبير.. والمد والجزر لغة بحرية.. لكنها أيضا تتواجد على مسرح الحياة.. والتقدم والتأخر في حياة البشر.. حالة اعتيادية تمر أمام أعيننا كل يوم.. والشمعة والظلام عنوانان رئيسيان في حياة الإنسان. أيضا الحزن والفرح.. سيناريوهات معتادة في عالم كرة القدم.. وبرزت هذه المتناقضات تحديدا في بطولة اليورو 2016 بفرنسا.. فهناك من شرقت شمسه مثل ويلز وايسلندا.. فغنت جماهيره.. وهناك من غربت شمسه مثل اسبانيا وانجلترا.. فتسامرت جماهيره مع ضوء القمر تندب حظها العاثر.. وهناك من بقت عربته معلقة على الجسر كالبرتغال التي شبهها مدربها سانتوس بـ«البطة القبيحة».. بانتظار جولة الحسم في دور الأربعة التي وصلت إليه بالتعادلات وركلات الترجيح.حظ هو.. أو فن هو.. أو صفاء النية.. ذاك الذي يجعل الكرة الأوروبية دائما في القمة.. حتى وإن شارفت منتخبات القارة العجوز على الانهيار والخسارة.. بصراحة من حقنا أن نصاب بالاكتئاب.. وأن يدخل الضجر في نفوسنا.. ويتسلل الملل إلى قلوب الجماهير.. فكلما اقترب فرحهم برؤية كرة محلية تضاهي الكرة الأوروبية.. تتبدد أحلامهم في الرمق الأخير. نعم.. لقد سجلت المنافسات في الدوريات الأوروبية.. وبطولة الأندية الأوروبية.. رسالة خاصة للمجتمع الرياضي العربي.. بأن كرتنا مملة للغاية.. لذلك اتجه الجميع لكرة المتعة في أوروبا. نعم.. من حق الجميع أن يصرخ فالكرة الاوروبية تحظى باهتمام الصغار قبل الكبار، بعدما أصبحت المنافسات المحلية والدربيات والكلاسيكو بلا طعم.. وبلا عنوان.. وبلا هوية.. فالابتسامة التي كانت على محيا الجماهير اختفت.. والفرح بات على الأرصفة يئن في شوارع الملل.. ذبحته المشانق من الوريد إلى الوريد.. بمستويات هابطة. الكرة الاوروبية لها نكهة خاصة تميزها عن غيرها دون باقي قارات العالم.. فميزتها إنها لا تغالي في الاحتفالات وتنسى الفرح بسرعة.. لذلك نجومها يبحثون عن فرح جديد في كل محطاتهم.. فليس لديهم وقت لتذكر الماضي الذي يسرق الفرح حاضرا ومستقبلا، فبنظرة بسيطة على تصريحات مدربي ولاعبي المنتخبات التي ودعت البطولة تتأكد أن تركيزهم تحول مباشرة الى تصفيات كأس العالم 2018 بروسيا.. فلا وقت للبكاء على الأطلال كما هو حالنا. يبدو أن اللحاق بالكرة الاوروبية صعب للغاية.. فهي تعيش في الضوء دائما، والناي الذي يعزف به نجومها لم يكن يوما ما حزينا.. حتى قيل عن مشجعي الكرة الأوروبية أنهم من أولئك الذين لم يتعرفوا بعد على الكآبة والأسى والحزن والألم.. فهذه المصطلحات لم يدرسوها يوما في أكاديمياتهم، التي تهتم دائما بتدريس كتب الفرح والسعادة، ومواد لا تخلو من التكيف مع الابتسامة، ومواساة الآخر، فهم عادة ما يواسون الغير، لكثرة ضحاياهم في المستطيل الأخضر. إنهم يصرون على السير في أمواج البحر، ربما لأنهم يعشقون الانتصارات.. ليستخرجوا لؤلؤة هنا، ولؤلؤة هناك.. إنهم يتحسسون الغالي والثمين، فيسعون له، ولا يهدأ لهم بال إلا إذا وصلوا إليه فالكرة الاوروبية دواء لكل مكتئب.