عبدالله الغنام

الآباء واليوم العالمي للأب

اشتهرت بين الناس مقولة «وراء كل رجل عظيم امرأة»، واعتقد أننا نستطيع أن نقتبس منها: (وراء كل ابن عظيم أب عظيم) لتشابههما كثيرا في الدلالة والمعنى. والسبب في أني أتحدث إليكم عن هذا الموضوع، فلأنه قد مر علينا قبل عدة أيام خلت يوم يسمى باليوم العالمي «للأب».اليوم العالمي للأب يوافق يوم 21 يونيو من كل عام. وقد اتفقت معظم الدول العربية على ذلك اليوم ما عدا القليل منها ( 7 دول عربية حسب موقع ويكبيديا) فواعجبا حتى في مثل هذه الأمور البسيطة لم نتفق!وترجع بذور الفكرة إلى ما يقارب مائة عام مضت، حيث حضرت امرأة تدعى سونورا دود لويز حفل «يوم الأم» في إحدى المناسبات في مدينة واشنطن. فأرادت أن يكون أيضا للآباء يوم مخصص لهم، وذلك لولعها الشديد بأبيها، والعرب تقول «كل فتاة بأبيها معجبة». وعلى حد زعمها، فهي ترى أن أباها قد ضحى بكل حياته من أجلها وأخواتها بعد موت أمهم. وقد ظلت تناضل من أجل الاعتراف بهذا اليوم حتى أصبح رسميا في أمريكا. ثم أظهر الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون تأييدا لهذا اليوم في عام 1916 ميلادي، لينتشر بعد ذلك في العالم كله.وأنه من الجميل والطبيعي أن يحرص الآباء على أبنائهم وبناتهم، فتراهم يكثرون من التوجيه والنصح لهم بسبب الفطرة الأبوية المودعة فيهم، ولكن في بعض الأحيان تكثر هذه النصائح لدرجة أنك لو جمعتها لأصبحت كتابا كاملا!. ومن الطرائف في هذا الباب أن هناك شخصا يدعى (جاكسون براون) كان يفكر كثيرا في ابنه الذي تأهل وانتقل إلى الجامعة حديثا. فحدثته نفسه بأن يكتب بعضا من النصائح في وريقات ثم يرسلها إلى ولده. تلك النصائح كانت نابعة من تجاربه في الحياة. وأراد أن تكون على شكل نقاط سريعة ومختصرة، ولكنه تفاجأ حين بلغت مجموع نصائحه أكثر من 1500 نصيحة!!. ولذلك فكر في أن يجمعها في كتاب بعنوان (إرشادات الحياة القصيرة) ليتفاجأ مرة أخرى بأن الكتاب تصدر المبيعات.ومما لا شك فيه أن الأبناء يتأثرون بآبائهم إما سلبا أو إيجابا. ولعلي أحدثكم عن قصة التأثير الإيجابي للآباء. فقد روي أن الخليفة عبدالملك بن مروان اختار أن يخطب بنت التابعي الجليل سعيد بن المسيب لابنه الوليد، ولكن سعيد رفض أن يزوج ابنته لابن الخليفة!. وزوجها لرجل فقير جدا من تلاميذه يقال له كثير بن المطلب بن أبي وداعة (في قصة طويلة ومشوقة). ولكن الشاهد من القصة أن ابن أبي وداعة جلس في البيت لمدة شهر (شهر عسل) ولم يذهب إلى حلقة ابن المسيب العلمية خلال تلك الفترة! وعندما أراد يوما أن يعود إلى حلقة العلم في المسجد أمسكت زوجته بإزاره وقالت: إلى أين أنت ذاهب؟ فقال: إلى حلقة سعيد لأتعلم، فقالت له: اجلس أعلمك علم سعيد!!، فقد كان أبوها (ابن المسيب) خير والد ومعلم لها، وذلك هو الشاهد من التأثير الإيجابي والمعرفي للآباء على الأبناء. وفي بعض الأحيان يكون للأجداد أيضا دور بالغ في الأثر والتربية والمعرفة، فهم أيضا آباء ولكن بخبرة أكبر وأكثر! وقد كان تأثير الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله - قويا على بناته وحتى أحفاده، وقد صدر كتاب بعنوان «هكذا ربانا جدي» لحفيدته عابدة العظم.وإنه لمن المثير أن نعلم أن للآباء تأثيرا كبيرا وقويا على أبنائهم وبناتهم حتى ولو لم يشعر الآباء بذلك. والسبب أنهم يقدمون بأفعالهم (سلبا أو إيجابا) أنموذجا عمليا أبلغ بكثير من المواعظ الرنانة. فلو ظللنا ننصح أبناءنا وبناتنا ليلا ونهار، سرا وعلانية، عنفا ولينا، فسوف يتأثرون بما نعمل أكثر مما نقول. وقد روي أن الحكيم الصيني كونفوشيوس قال يوما: قل لي وسوف أنسى، أرني لعلي أتذكر، أشركني وسوف أفهم.