د. سعود العماري

تصفية الشركات (2)

تحدَّثنا في المقال السابق عن أحكام تصفية الشركات وتطرَّقنا فيه إلى المقصود بعمليَّة تصفية الشركات، وهدف المنظِّم السعوديّ من الإبقاء على الشخصيَّة الاعتباريَّة للشركة أثناء عمليَّة التصفية، والنتائج المترتِّبة على احتفاظ الشركة بشخصيَّتها الاعتباريَّة أثناء عمليَّة التصفية، ونحن اليوم نستأنفُ الحديثَ حول هذا الموضوع. استكمالاً لما سبق ذِكره فإنَّ تعيين المصفِّي يتمُّ بصدور قرارِ تصفية الشركة سواءً أكانَ قرار التصفية قضائياً أم اختيارياً، حيث يتضمَّن قرارُ التصفية تعيينَ مصفّ أو أكثر، وتحديد سلطاته وأتعابه، والقيود المفروضة على سلطاته أثناء ممارسته لأعماله والمهام الموكلة إليه، إلى جانب تحديد المدَّة اللازمة للانتهاء من عمليّة التصفية. وتنحصر مهام المصفِّي في القيام بجميع ما يلزم للمحافظة على أموال الشركة وحقوقها التي تتطلَّبها عملية التصفية، وفي سبيل ذلك فهو يقوم بالوفاء بالتزامات الشركة وسداد ديونها تجاه الغير واستيفاء وتحصيل ما للشركة من حقوق وديون لدى الغير، مع وجوب مراعاة أنَّ قيام المُصفِّي بسداد ديون الشركة يقتصر على الديونِ التي حلَّ أجلُها فقط، ولا يشمل ديون الشركة الآجلة التي لم يحل أجلها ووقت سدادها.ويجبُ عليه في مثل هذه الحالة القيام باحتجاز المبالغ الكافية لسداد الديون الآجلة، من أجل ضمان الوفاء بحقوق دائني الشركة عندما يحلُّ موعد استحقاق الدين. وهذا ما نصَّت عليه المادة (208) من نظام الشركات الجديد الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/3) وتاريخ 28/1/1437هـ، التي نصَّت على أنَّه: «1/على المصَفِّي سداد ديون الشركة إن كانت حالّة حسب الأولويَّة، وتجنيب المبالغ اللازمة لسدادها إن كانت آجلة أو متنازعاً عليها. 2/ وتكون للديون الناشئة عن التصفية أولوية على الديون الأخرى». وتبعاً لذلك فإنَّ المُصفِّي يعدُّ بمثابة الممثل القانونيّ للشركة لذا يجب عليه الالتزام بالحدود والسلطات الممنوحة له عند مزاولة عمله ومهامه، والتي نصَّ عليها قرار تعيينه إذ لا يجوز له الخروج عليها أو تجاوزها. وفي حالة تعدُّد المصفِّين فيلزم أن يقوموا بأداء مهامهم والأعمال المسندة إليهم مع بعضهم البعض، إذ أنَّ تصرفاتهم لا تكون صحيحة إلا إذا صدرت بإجماعهم.وفي هذا الصدد فقد نصَّت المادة (206) من نظام الشركات المشار إليه أعلاه على أنَّه: «إذا تعدَّد المُصفُّون وجبَ عليهم أن يعملوا مجتمعين، ولا تكون تصرفاتهم صحيحةً إلَّا بإجماعهم، ما لم ينصّ قرارُ تعيينهم أو تصرِّح لهم الجهة التي عيَّنتهم بالعمل على انفراد، ويكونون مسؤولين بالتضامن عن تعويض الضرر الذي يصيب الشركة أو الشركاء أو الغير نتيجة تجاوزهم حدود سلطاتهم أو نتيجة الأخطاء التي يرتكبونها في أداء أعمالهم». ويجوز للمُصفِّي أثناء القيام بمهامه بيعُ أيَّة منقولات أو عقارات للشركة عن طريق الممارسة أو المزاد العلنيِّ أو بأيِّ وسيلة أخرى تكفل الحصول على أعلى ثمن، وذلك بغية تحويل موجودات الشركة إلى نقود. ولا يحقُّ له بيع أموال الشركة جملة أو تقديمها كحصَّة في شركة أخرى، إلَّا إذا صرَّحت له بذلك الجهةُ التي قامتْ بتعيينه.وكذلك لا يجوز للمُصفِّي - وفقاً لما نصَّت عليه أيضاً المادة (207) من نظام الشركات- البدءُ في أعمال جديدة إلّا أن تكون لازمة لإتمام أعمال سابقة على عملية التصفية. ويفهم من هذا أنَّه يمتنعُ على المُصفِّي القيامُ بإجراء أيَّة تصرفات جديدة لا تقتضيها عمليَّة التصفية حتى وإن كانت مربحة وستدرُّ دخلاً كبيراً على الشركة، لأنَّ هذا الأمر يتجاوز السلطات المحددة للمُصفِّي.أما إذا كان من شأن إجراء التصرُّف الجديد إتمام بعض الأعمال السابقة على مرحلة التصفية، كأن تكون الشركة قد التزمت بتوريد بعض البضائع والمنتجات أو غيرها من الأمور الأخرى، فهنا لا يوجد ما يمنع المُصفِّي من القيام بالاستمرار في تنفيذ العَقدِ والوفاءِ بالتزامات الشركة تجاه الغير، لتفادي المساءلةِ القضائيَّةِ.وفي حالة مخالفةِ المُصفِّي لهذا الحكم وقيامه بأعمال جديدة لا تتطلَّبها عمليَّة التصفية فإنَّه يكون مسؤولاً في جميع أمواله عما ترتبه هذه الأعمال، وفي حالِ تعدَّدَ المُصفُّون فإنَّ مسؤوليتهم تكون شخصيَّة وتضامنيَّة. أمَّا بخصوص كافَّة الأعمال التي يقوم بها المُصفِّي وتدخلُ في إطار سلطاته واختصاصه فإنَّها تكون مُلزمةً للشَّركة، طالما لم يتجاوز المُصفِّي حدودَ اختصاصاته المحدَّدة بموجبِ قرارِ التصفية. وسوف نكملُ الحديثَ حول هذا الموضوعِ في المقال القادم إن شاء الله تعالى.