د. حسن العالي

المؤسسات الصغيرة والتمويل المصرفي

سعت دراسة حديثة للبنك الدولي للربط بين ضعف التمويل المصرفي المقدم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في بلدان الخليج وبين الانغلاق النسبي للسوق المصرفية الخليجية، والتي يتم احتكارها في الوقت الحاضر، كما تقول الدراسة، من قبل البنوك الكبيرة شبه المملوكة من الحكومات، بالإضافة الى تعقد الإجراءات الائتمانية والإدارية والضمانات المتعلقة بهذا التمويل.وتمثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة أحد أهم دعائم الاقتصاد في معظم دول العالم، وأحد أهم مجالات خلق فرص العمل. وتمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة حوالي 95% من إجمالي الشركات في الغالبية العظمى من دول العالم، وتوفر ما بين 40 إلى 60% من مجموع فرص العمل. كما تشير الدراسة إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تساهم في 33% من الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاديات النامية، كما أنها تساهم بما يصل إلى 45% من فرص العمل. وفي الواقع، فإن غالبية مؤسسات الأعمال في الدول الخليجية هي إما مشروعات متناهية الصغر، صغيرة، أو متوسطة الحجم. وتمثل ما بين 80 إلى 90% من إجمالي الأعمال في معظم البلدان الخليجية. وفي السعودية والكويت، تشغّل تلك المشروعات 90% من القوى العاملة في القطاع الخاص. وفي الإمارات العربية المتحدة، تمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة حوالي 94% من المشروعات الاقتصادية في البلاد وتوظف حوالي 62% من القوى العاملة. وترى دراسة البنك الدولي انه على الرغم من هذا الوجود المفعم بالنشاط والحيوية من مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة، فإن ضعف إمكانية الحصول على تمويل مصرفي يعوق نمو هذا القطاع. وتُظهِر التقديرات أن 11% فقط من مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة في الخليج يمكنها الحصول على ائتمان، ونحو 40% منها تُؤكِّد أن ذلك يعتبر عقبة كبيرة. وتُقدَّر الفجوة بين ما يمكن لمؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة أن تستوعبه وما تحصل عليه من الائتمان في الوقت الحالي بنحو 250 مليار دولار.ووفقا للدراسة، يُعد ضعف المنافسة في القطاع المصرفي البلدان الخليجية أحد العوامل المتصلة بجانب العرض التي قد تحول دون حصول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على مزيد من الائتمان. وتعتبر النُظُم المصرفية في بلدان الخليج من بين النُظُم الأقل تنافسية في العالم. وتُظهِر المقارنات على مدى فترة عشر سنوات أن المنافسة المصرفية لم تتحسَّن، بل إنها في حالات كثيرة تدهورت. إن ضعف المنافسة المصرفية في بلدان مجلس التعاون الخليجي يرجع إلى صرامة متطلبات الدخول إلى السوق وضعف أنظمة الاستعلام الائتماني، والافتقار إلى المنافسة من بنوك أجنبية ومن مؤسسات مالية غير مصرفية. ويؤدي الوجود الكبير نسبيا للبنوك المملوكة للدولة إلى تقوية هذه الظاهرة.وبالرغم من أهمية المنافسة في توفير التمويل للمؤسسات الصغيرة كما ترى الدراسة، خاصة في الوقت الحاضر حيث تسعى دول المجلس من أجل تنويع أنشطة الاقتصاد وإيجاد خيارات لتحسين امكانية الحصول على التمويل للشركات لاسيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فإننا نرى أن المعوقات التي تحول دون تعاظم حصة التمويل المقدم للمؤسسات الصغيرة لا ترتبط بالمنافسة فقط كما لا يمكن وصف السوق المصرفي الخليجي بضعف المنافسة مع وجود أكثر من 200 بنك ومصرف ومؤسسة مالية خليجية وأجنبية تعمل في الأسواق الخليجية. كما تتميز دول مجلس التعاون الخليجي بانتشار الخدمات المصرفية، حيث تشير بيانات الأمانة العامة لمجلس التعاون إلى وجود 235 مصرفا تعمل في دول المجلس تمتلك بدورها نحو 4000 فرع يقدمون خدماتهم لنحو 40 مليون نسمة، أي أن معدل نصيب الفرد من الفروع المصرفية هو 10 آلاف شخص لكل فرع، وهي من المعدلات العالية في العالم. كما تتميز الخدمات المصرفية في الأسواق الخليجية بتطورها واستخدامها أحدث التقنيات لتقديم كافة الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول والانترنت. وتناهز موجودات المصارف الخليجية 1.8 تريليون دولار أي تعادل تقريبا إجمالي الناتج المحلي الاجمالي لهذه الدول.وبالمقارنة مع متوسط البلاد العربية التي تبلغ 18% فقط من السكان لديهم حسابات مصرفية، فإن هذه النسبة تبلغ 82% في البحرين و73% في الكويت و70% في السعودية و84% في الامارات حسب مسوحات البنك الدولي مما يعني أن دول المجلس تناهز الدول المتقدمة من حيث الشمول المالي.كما تشير دراسة للأسكوا حول معوقات التمويل المصرفي للمؤسسات الصغيرة فعادة ما تكون المصارف عموما متحفظة عن تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة بسبب ارتفاع المخاطر نظرا لحجمها وإمكانياتها المحدودة. كما أن المصارف تسعى للحصول على معلومات كمية ونوعية لتقييم دراسات الجدوى الاقتصادية للمشاريع التي تقودها المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وغالباً ما تفشل تلك الدراسات في إقناع المصارف، وذلك لأن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تفتقر إلى الدراية التقنية والمالية التي من شأنها أن تساعدهم في رسم خطط عمل مفصلة جديرة بثقة المصارف. وهكذا، يظل تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة في البلدان الخليجية محدوداً بسبب عدم وجود بيئة مواتية وأنظمة كافية، ولأن البنية المالية التحتية غير كافية، ومحدودية أدوات الإقراض، ولأن مهارات إدارة المشاريع الصغيرة والمتوسطة بحاجة إلى تحسين وتحتاج إلى مزيد من الشفافية، وبسبب عدم توافر ضمانات. كما أن العديد من المصارف والمؤسسات المالية ليست مجهزة لتقديم منتجات مصرفية مربحة ومستدامة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. ولتجاوز هذه المعوقات قامت بعض الدول الخليجية مثل البحرين والسعودية والإمارات بتشجيع الصناديق التمويلية المتخصصة لتقديم القروض للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وفي حالة البحرين يقوم صندوق العمل الممول من القطاع الخاص بعقد اتفاقيات مع البنوك من أجل تقديم قروض ميسرة للمؤسسات الصغيرة مقابل قيام الصندوق بضمان نصف القرض ودفع نصف الفوائد.ونخلص من ذلك ان موضوع محدودية التمويل المصرفي المقدم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة لا يرتبط فقط بالوضع التنافسي للبنوك الخليجية، بل بجملة من الجوانب الأخرى منها قيامها بتعزيز قدراتها لتقييم مخاطر تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ووجود دعم فني للمؤسسات الصغيرة في كيفية الاستفادة من رأس المال العامل والسيولة، وكيفية تحسين الشفافية ومصداقية الحسابات المالية. علاوة على إنشاء قاعدة بيانات للتسهيل على المصارف من جهة، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة من جهة أخرى، تقييم احتياجات التمويل وإدارة أفضل للمخاطر. ![image 0](http://m.salyaum.com/media/upload/09921c2973b8c791b47aed3e61aa4af3_10.jpg)تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الخليج لا يزال محدودا