ثلاث مراحل للتكيف
من المفيد التوقف أمام الدراسات التي تصدر عن المؤسسات الدولية فيما يخص تجربة دول مجلس التعاون في التكيف مع انخفاض أسعار النفط في الوقت الحاضر، وهي توضح بصورة عامة أن هذه الدول باتت تمتلك تجربة غنية في التكيف مع هذا التطور الرئيسي الذي طرأ على أوضاعها الاقتصادية والمالية.لقد أدركت هذه الدول أن الانخفاض الكبير والمتواصل في أسعار النفط لا يمكن مواجهته بإجراءات من النوع المعتاد، بل يجب على صناع السياسات اعتماد تدابير مؤثرة لوضع الميزانيات العامة على مسار أسلم، ومعالجة المخاطر التي تتعرض لها السيولة وجودة الأصول في القطاع المالي، وتحسين آفاق النمو. وستكون هذه عملية صعبة وطويلة الأجل، ولكن الأمر المبشر هو أن كثيرا من البلدان بدأت بداية قوية، وخاصة فيما يتعلق بسياسات الميزانية.وترى دراسة لصندوق النقد الدولي أن دول الخليج بدأت أولا بالمرحلة الأولى من إجراءات سريعة المفعول لمواجهة تداعيات انخفاض النفط تمثلت في استخدام احتياطياتها النقدية. ولما اتضح أن هذا الانخفاض سيستمر، قامت هذه الدول بالانتقال إلى المرحلة الثانية من الإجراءات والمتمثلة في إجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق وفرض الضرائب. لكن على المدى البعيد فإن عجلة الإصلاحات لن تتحقق إلا بالانتقال إلى المرحلة الثالثة من الإصلاحات التي يجب أن تكون لإصلاحات جذرية وذات أمد طويل، وهو ما مثلته رؤية المملكة العربية السعودية 2030. وفي الوقت الحاضر تستهدف بلدان الخليج بوجه عام تحقيق توفير في كل من النفقات الجارية والاستثمارية. وتشير الأدلة المقارنة إلى منطقية تعديل فئتي الإنفاق المذكورتين، فمن الملاحظ، على سبيل المثال، أن مستويات الإنفاق الرأسمالي في بلدان الخليج المصدرة للنفط أعلى من مستويات نظيراتها من الأسواق الصاعدة. وفي نفس الوقت، يُلاحَظ أن أجور القطاع العام أكبر بكثير في دول الخليج، وهو وضع مستقر منذ وقت طويل في إطار العقد الاجتماعي بين صناع السياسات ومواطنيهم.كذلك يستهدف صناع السياسات أسعار الطاقة المحلية المنخفضة بصورة مصطنعة. فقد جرت العادة على أن تكفل القواعد الحكومية أسعارا منخفضة للوقود والمياه والكهرباء كجزء آخر من العقد الاجتماعي. ومن ثم، يمثل إصلاح هذه الأشكال من الدعم (التي أفاد معظمها الأثرياء) دليلا جديرا بالترحيب على التغير الهائل في سياسات البلدان الخليجية كما ترى دراسة الصندوق. وقد اتخذ كل من عمان والإمارات العربية المتحدة، ثم قطر في تاريخ أقرب، خطوة أخرى باستحداث التسعير التلقائي، حيث تتعدل أسعار الطاقة المحلية تبعا للمعايير القياسية الدولية. ويتمثل التحدي القائم أمام صناع السياسات في تحريك أسعار الطاقة نحو المستويات الدولية على نحو يحد من الأثر الاجتماعي السلبي؛ كأن يتم ذلك من خلال التحويلات الموجهة لشرائح السكان محدودة الدخل على سبيل المثال.غير أن ضبط الإنفاق ما هو إلا جزء من معادلة المالية العامة في البلدان المصدرة للنفط، حيث يشكل إيجاد مصادر جديدة للإيرادات اعتبارا مهما آخر. وقد بدأ ظهور عدد من الخطط الواعدة، وخاصة المناقشات الجارية في دول الخليج لتطبيق ضريبة القيمة المضافة. وسيكون هذا إنجازا كبيرا للمنطقة التي اعتادت الاعتماد بصورة أساسية على الإيرادات المرتبطة بالهيدروكربونات. وبالتوازي مع هذه الجهود، بدأ عدد من دول الخليج زيادة رسوم الخدمات ورسوم المنتجات وضرائب دخل الشركات. ويُلاحَظ أن الضرائب غير النفطية أكثر تطورا بكثير في بلدان آسيا الوسطى المصدرة للنفط، ولكن هناك مجالا لتخفيض الإعفاءات وزيادة التحصيل.ولا ينصح الصندوق باستخدام أسلوب خفض قيمة العملات، لأن تجربة بلدان آسيا الوسطى المصدرة للنفط في هذا المجال أظهرت أنه أدى إلى بعض الضبط غير المباشر لأوضاع ماليتها العامة وأدى ذلك إلى رفع قيمة إيرادات التصدير وما يتصل بها من ضرائب بالعملة المحلية. غير أن هذه المكاسب المالية لن تستمر إلا في حالة عدم زيادة نفقات المالية العامة، وخاصة أجور القطاع العام، تمشيا مع انخفاض سعر الصرف. وقد أحدث تعديل سعر العملة في هذه الاقتصادات بعض الآثار الجانبية غير المرغوبة أيضا، بما في ذلك الضغوط التضخمية والمخاوف بشأن استقرار النظم المالية التي تتسم بدرجة عالية من الدولرة. ولذلك، تواجه بلدان آسيا الوسطى المصدرة للنفط أيضا تحدي تعزيز أطرها المنَظِّمة لسياسات النقد والصرف والقطاع المالي.وتؤكد دراسة الصندوق أن الإيرادات النفطية لن تصبح كافية في السنوات القادمة لكي تمارس الحكومات دور صاحب العمل الرئيسي تجاه السكان الشباب المتنامية أعدادهم بسرعة. ولذلك، يجب على صناع السياسات أن يتوصلوا إلى سبل لتشجيع تنمية القطاع الخاص ومساعدة اقتصاداتهم على تنويع الأنشطة بعيدا عن النفط. وتستفيد دول الخليج بالفعل من البنية التحتية عالية الجودة، ولكنها تواجه معوقات البيروقراطية والثغرات الباقية في أطرها القانونية والتنظيمية وغيرها من القيود التي تتصل بإعادة هيكلة الاقتصادات الخليجية. وهذا يفرض أن تنتقل دول المجلس إلى المرحلة الثالثة وهي تنفيذ خطة طويلة الأجل تؤدي في النهاية إلى تخفيض اعتمادها على النفط، وهذا ما حققته رؤية المملكة العربية السعودية 2030، والتي وضعت برنامجا شاملا للإصلاح الاقتصادي والتنمية للنهوض باقتصاد المملكة وتحريره من الاعتماد على النفط، وهي خطوة تمثل نقطة تحول في تاريخ المملكة الاقتصادي، ومن شأنها نقل اقتصاد المملكة إلى مراحل متطورة وأكثر نضجا. وعلى صعيد مضامين الخطة الاستراتيجية تعتبر رؤية السعودية 2030 هي الأكثر شمولية بالمقارنة مع الرؤى الخليجية الأخرى حيث تناولت تقريبا كافة أوجه النشاط الاقتصادي مثل تأسيس الصندوق السيادي بقيمة تريليوني دولار والتحرر من النفط من خلال زيادة حصة الصادرات غير النفطية إلى 50% من الناتج المحلي وطرح أقل من 5% من أسهم أرامكو في البورصة وتطبيق نظام البطاقة الخضراء وزيادة عدد المعتمرين إلى 30 مليونا وزيادة التوظيف وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي إلى 5.7% والصناعة العسكرية والإسكان والمشروعات ومكافحة الفساد وغيرها. لذلك، فإن نجاح المملكة في تنفيذ الرؤية يمثل المدخل للتحول إلى اقتصاد مستدام النمو، وفي نفس الوقت يركز على التنمية البشرية التي هي عماد التنمية المستدامة.