محمد علي كلاي في حلبة الحياة!
هناك أشخاص يأتون إلى هذه الدنيا يملؤونها صخبا وأحاديث إعلامية مدوية، ويصبحون بين عشية وضحاها مشهورين عالميا، ولكن البعض منهم حين يختفون أو يموتون ينساهم الناس والدنيا والتاريخ!. وأما الذين تركوا أثرا أصيلا له مبادئ وقيم فلا يمكن للتاريخ ولا الناس إلا أن يحفظوا لهم مكانتهم في قلوبهم قبل عقولهم، ومن هؤلاء الملاكم المسلم الأسطورة محمد علي كلاي.هو حقا أشهر من نار على علم في حياته وبعد مماته، وسوف يتذكر الناس له مواقفه العظيمة والإنسانية.وقد توفي - يرحمه الله - الأسبوع المنصرم عن عمر يناهز 74 سنة بعد حياة حافلة بالإنجازات والنجاحات، وفيها أيضا شيء من المحاولات (بدلا عن لفظ الإخفاقات). وكان وما زال وسيظل متواجدا في قلوب وعقول الملايين من الناس على اختلاف مشاربهم وأفكارهم وحتى دياناتهم.وربما نتساءل ما الذي جعله مميزا عن باقي الملاكمين والرياضيين بصفة عامة؟.وأعتقد أن لهذا السؤال عدة أجوبة نقف معا على بعض من محطاتها:من ذلك أنه كان صاحب مبادئ يطبقها على نفسه لتصبح قيما، فقدر له الناس ذلك وثمنوا مواقفه.فمنها مثلا موقفه حين اعتنق الإسلام في أوج مجده الرياضي غير مبال بردة فعل الناس والإعلام لأنه كان يعتقد أن ذلك هو الصواب.وقس على ذلك رفضه للعنصرية بأشكالها، وكذلك رفضه للخدمة في الجيش إبان الحرب الفيتنامية لأنه كان يرى أن الحرب كانت ظالمة وغير عادلة، ولذلك قضوا بسجنه وجردوه من ألقابه العالمية.ومنها الصدق والصراحة والتي نلاحظها في كثير من اللقاءات الإعلامية، فهو يتكلم على سجيته وبدون مجاملات، ويحاول أن يقول ما يمليه عليه ضميره وعقله حتى ولو لم يكن يعجب الآخرين أو يوافق أهواءهم.ومن الملاحظات أنه كان كثيرا ما يحاول أن يبين محاسن الدين الإسلامي وعظمته، وعلاقة الإنسان بخالقه، وكان يتحدث عن ذلك بثقة و ثبات.منها ما قاله في لقاء إعلامي جميل: أنا لا أحتاج إلى حارس شخصي لأن الله يراني ويسمعني وهو يحرسني.وفي مقابلة أخرى حين سئل ما الذي سيفعله بعد أن يتقاعد قال: دعوني أخبركم شيئا استعدوا للقاء الله من الآن!ومن اللمحات واللفتات الجميلة أنه كان يلقب نفسه بـ«الأعظم»، فلما أسلم وعرف الحق خرج في مسيرة في الشارع وهو يحمل معه صحيفة مكتوب عليها «الله هو الأعظم»، ويشاء الله سبحانه أن يصاب علي بمرض يمتد معه منذ 1984 وحتى وفاته، يسمى «الباركنسون» أو الشلل الرعاش الذي أصاب جسمه وحتى لسانه، وأصبح بطيء الحركة والكلام، بعد أن كان في السابق مشهورا بسرعة الحركة في الحلبة، وبسرعة الكلام والبديهية في ميدان الحياة والإعلام.وقد قال عن ذلك: «إنه امتحان من الله، الله يمتحنك بالمال أو الألم أو الفشل، وأتمنى أن أنجح في الامتحان»، وهذا هو عين الرضا والتفاؤل.ومنها تواضعه للناس وقربه إليهم فقد أصر على أن يكون النزال في إحدى مبارياته المشهورة في أفريقيا وتحديدا في زائير في عام 1974م وما زال الناس يذكرون له ذلك.بل كان في ذلك الوقت يخرج كل صباح ويركض في الطرقات والشوارع ويقابل الناس بكل تواضع ويتحدث إليهم.ومنها الاعتزاز باسمه «محمد» لأنه اسم رسولنا عليه الصلاة السلام، حيث رفض رفضا قاطعا أن يُكتب على الأرض مع مشاهير هوليوود، فوضع على الجدار بدلا من ذلك.وتلك هي النجمة الوحيدة باسمه التي وضعت على الجدار، وأما باقي الأسماء والنجوم، فهي على الأرض حيث تطؤها الأقدام ذهابا وإيابا!ومن وجهة نظري هو قائد عالمي بدون منصب لأنه لا يحتاج إليه، بل ربما كان المنصب هو الذي يحتاج محمد علي كلاي لا العكس.وتلك هي القيادة الحقة حيث يقتدي الناس بك ويعتبرونك رمزا داخل الحلبة وخارجها سواء كنت صاحب منصب وكرسي أم لا.وسيظل محمد علي كلاي رمزا للنجاح والمثابرة والقيادة، وهو القائل يوما: «في داخل الحلبة كما في خارجها لا عيب في أن تسقط أرضا، بل العيب في أن تبقى على الأرض».