البيئة و «ديوان الماء»
بفضل من الله، البيئة هي التي توفر لنا الهواء والماء والطعام التي نعتمد عليها للعيش في هذه الحياة، فهل من العقل أن نعبث بها أو نلوثها أو أن نسيء ونسرف في استخدامها؟! وحتى لو ضربنا بعرض الحائط قوانين المحافظة على البيئة وأسرفنا في استخدامها بلا مبالاة!! فهلا فكرنا في أبنائنا وأحفادنا وكيف سيعيشون بعد ذلك؟ بل هل فكرنا بها على أنها مسؤولية دينية، وواجب وطني، وتعاون إنساني؟!يوافق 5 يونيو (حزيران) اليوم العالمي للبيئة، وقد بدأ الاعتراف والتذكير به عالميا منذ عام 1972 ميلادي، حين أدرك العالم أنه آن الأوان لنحافظ على مواردنا الطبيعية قبل أن تنفد (بالدال) أو تشح. وأن نبدأ باتخاذ إجراءات صارمة وفعالة على المستوى الفردي والشعبي والسياسي من أجل توضيح المخاطر المهددة والمحيطة ببيئة كوكبنا الأرض. ومنذ ذلك الحين تنامى صدى تلك الصرخة ليصل مداها إلى أكثر من 100 دولة حول العالم. إن برنامج الأمم المتحدة للبيئة يرتكز على سبعة محاور هي: البيئة قيد الاستعراض، فاعلية الموارد، مواد ضارة، الإدارة البيئية، إدارة النظام الإيكولوجي (العناصر الفيزيائية والبيولوجية المجتمعة في البيئة) الصرعات والكوارث، التغير المناخي. وستستضيف دولة أنغولا الاحتفالات هذا العام (2016) تحت شعار «مكافحة التجارة غير المشروعة بالأحياء البرية».الوعي على مستوى الأمم والدول مهم، لكن المستوى الفردي لا يقل أهمية. وأول تلك البوادر الفردية أن نبتعد تماما عن جملة «أنا ما لي علاقة» أو «القضية لا تهمني»، بل هذه المسألة تهم كل إنسان يعيش على سطح الأرض لأننا نشترك جميعا في استهلاك نفس الموارد الطبيعية، فالأنانية في مثل هذه القضايا تضر كثيرا بالجيلين الحالي والقادم.ولو نظرنا للمسألة من ناحية دينية، فلا شك في أن ديننا دين حضاري بكل المقاييس. وعلى سبيل المثال لا الحصر قوله عليه الصلاة والسلام «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة». وحديث «من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار» بمعنى قطع السدر الذي يستظل به الناس عبثا من غير حاجة ولا مصلحة، وغيرها من الأحاديث الكثيرة الجامعة، ويكفي في ذلك كله حديث «لا ضرر ولا ضرار». وأما من الناحية الوطنية، فإن الحماية والحفاظ على البيئة واجب يمليه علينا الحس والضمير الوطني. وأعتقد أن كل واحد منا يحب الخير والازدهار والنماء لوطنه وبيئته.وحتى لو نظر إليها من الناحية التاريخية، فقد اهتم المسلمون والعرب في أوج الحضارة بالبيئة المحيطة بهم، ولا أدل على ذلك من انتشار الحدائق والسدود والآبار واستصلاح الأراضي البور سواء في قرطبة أو إشبيلية أو بغداد أو دمشق وغيرها من المدن التي كانت معالم بيئية وحضارية، بل إن في العصر العباسي كان هناك ما يسمى «ديوان الماء» حيث عمل الآلاف من المهنيين والعمال في ذلك الديوان الذي يطلق عليه اليوم في بعض الدول وزارة الزراعة والمياه. واهتموا بقضية حماية البيئة من التصحر حيث يقول غوستاف لوبون في كتابه «حضارة العرب»: «وأصبحت أسبانيا التي هي صحراء حقيقية عدا بعض الأقسام في جنوبها جنة واسعة بفضل أساليب العرب الزراعية الفنية».المسألة برمتها تحتاج إلى وازع ديني وحس وطني الذي هو في الأصل موجود لدينا، لكن يحتاج إلى تذكير وتحفيز لإزالة ما تراكم عليه من عجاج الزمن. البيئة ليست لي أو لك هي لنا جميعا ولمن سيأتي من بعدنا، أفلا يستحق ذلك منا قليلا من الحرص في التعامل والمحافظة على ما حولنا من هواء وماء ونبات وحيوان؟!.