حين نتكلم عن العمل اللائق (1)
العمل اللائق هو أول أهداف الأمم المتحدة الانمائية للألفية، للقضاء على الفقر، وتتلخص فكرته في توفير عمل لائق للشباب العاطل تضمن لهم من خلاله حقهم الانساني والوظيفي مع مراعاة عدم التمييز والحد من الحريات باستغلال حاجة الفرد للعمل وابتزازه وتشغيله بأعمال مُهينة للكرامة وأعمال منافية للذوق والأخلاق والانسانية.بصيغة ثانية أن تتوافر في العمل بيئة عمل آمنة وتضمن جميع حقوقه العمالية، ويكون فردا يضاف للقوة العاملة في السوق المحلية، مُنتجا وكفؤا يُعطى الثقة والقدرة للانتاج، لا عاملا متململا يقتنص الفرصة لايجاد عمل آخر في كل عمل ينضم إليه، بسبب انعدام الأمن الوظيفي لديه.كثيرة هي القضايا التي يشتكي فيها العامل من استغلاله مهنيا ووظيفيا للقيام بأعمال لا يتضمنها عقد العمل الذي قام بتوقيعه، فهو قد يتحول من محاسب إلى سائق ومراسل مكتب وسكرتير خاص معا، وبمرتب لا يتغير، بل تعتبر من ضمن المهام التي تم توظيفه فيها دون أن ترد كنص في عقد العمل، ولأن ايجاد وظيفة في سوق مزدحم بالعمالة الوافدة والرخيصة أمر صعب للغاية بالذات للذين ليس لديهم مؤهل علمي، فهو مجبر على أن يكون «سخرة» مطيعا وإلا فقد وظيفته التي يعيل بها عائلته.أحيانا صاحب العمل يكون أكثر لؤما ودكتاتورية وتسلطا حين يستغل ذلك، ولعل أفحش ما يقوم به هو ممارسة «التجهيل» فيبقي موظفه جاهلا بكل شيء، بأبسط حقوقه، بأدق تفاصيل العمل وأسراره وعلاقاته، بل قد يخالف القانون ولا يعطيه نسخة من عقد العمل ليمارس ابتزازا من هذا النوع عليه.وقد يصل به من الظلم أنه لا يقبل أن تتم شكايته لسبب كبير كامتناعه عن دفع أجرة عامل لديه، فيكيد للعامل حتى تتم إقالته أو التضييق عليه حتى يقوم العامل بالاستقالة ليضمن عدم دفع أي تعويض عن الفصل التعسفي غير المبرر.قالت لي إحداهن انها اضطرت للشكوى من صاحب العمل الذي عملت معه 14 عاما ولم يقم بالتأمين عليها في التأمينات الاجتماعية لثلاث سنوات وهي بحاجة لها لتتقاعد، فحين امتنع وأحدث ذلك نزاعا بينهما، اضطرت لأن تشتكي، فبدل أن يعطيها حقها ويكافئها على سنوات الخدمة الطويلة التي لم تنل خلالها أي زيادة تذكر، قام بتعيين محام للتنكيل بها والبحث عن فجوات تدينها وتمنع حقها، قالت لي: «أنظري لوجهي وهذه الندب الكبيرة، هل تتصورين أنني للتو قادمة من سفر للعلاج عما ألحق بي هذا العمل من أذى نفسي وجسدي، لأدخل معهم في هذه الدوامة»، أجبتها «وما منعك من تغيير وظيفتك إن لم تحقق لك أمنا وظيفيا»، ردت بتحسر: «وهل ترين لي فرصة في سوق العمل اليوم؟ فأنا بحاجة لراتب لدفع ديوني المتراكمة»، أمسكت عن الرد.ولنا تتمة.