مقاولو ثقافة اليأس والعبوس!
حتى الإفراط في شرب الماء له انعكاساته السلبية، فكيف إذن الحال مع هذا السيل العارم في بث ثقافة اليأس، والإمعان في تصوير الحياة كما لو أنها فخ كبير للتربص بزلات البشر وابتساماتهم لقيادتهم بها إلى النار؟ كيف هو الحال حينما يكون هنالك من يتفرغ لدفع الناس للعداء لكل ما يجلب البسمة، والانحياز على الدوام إلى العبوس، وكأنه لبوس العبادة ورداؤها وأزكى صفاتها؟ لماذا يُصرّ البعض على أن يحاول أخذ المجتمع إلى الوعظ الحاد المليء بالتهديد والوعيد، «صلّ قبل أن يُصلى عليك»، «تذكر وأنت تسعى لتأكيد رحلة سفرك للسياحة سفرك المؤكد إلى الآخرة».. (ليه)؟أين «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك»؟ أين تلك الصفحات المضيئة من السماحة والتسامح، والتي يُصرّ البعض على أن يطويها لتكون ليس أكثر من علامة وقف في سفر تاريخنا أمام عناوين الويل والثبور، أو يقفز فوقها ليعبرها إلى كل ما يستدعي التشدد باتجاه إحالة الحياة إلى محطة بؤس لانتظار الموت وحسب. المشكلة أن من يُسوّق لهذا المنهج هم في واقع الأمر أكثر من يستمتع بالحياة في خلواتهم، وبعيدا عن أعين الناس ما أمكن، وكأنهم مجرد مقاولين لثقافة اليأس والعبوس، لا تتنامى تجاراتهم وأرباحهم إلا بقدر ما يتركونه من خرائب البؤس والدمار النفسي في أذهان من ينصت إليهم، أو يعيرهم سمعه. استرداد محددات البهجة ليس بابا من أبواب جهنم، ولا هو إخراج للمجتمع عن الصراط المستقيم، هو باختصار شديد إعادة المجتمع إلى بشريته، إلى آدميته، إلى طبيعته، ومن ثم إلى توازنه النفسي والقيمي، لأن البحث عن الملائكية على الأرض إنما هو ضربٌ من العبث الذي لا يستقيم، وعملية دفع قسري للشباب على وجه الخصوص بأحد اتجاهين: إما القنوط والانصياع لإرادة التوحش والبقاء بالتالي عرضة لاختطاف عصابات التطرف، أو التمرد على هذه السياجات، والذهاب إلى المغيّبات، والتعبير عن الفاقد الترويحي بهذا العنف الشبابي الذي بات يجوب مدننا ومحافظاتنا بشكل مستفز، وبهذه المغامرات الطائشة كالتفحيط وسدّ الطرقات، وبما يفوق قدرة القوى الأمنية على السيطرة أحيانا، وهذه كلها مؤشرات لحالة غير منطقية، لا يمكن أن تكون مخرجاتها إلا بمثل هذه الصورة أو بما هو أسوأ منها، لأن قمع البهجة، أو على الأقلّ إجبار الآخرين على قبول تفسيرها وفق وجهة نظر معينة، وإقصاء كل ما عداها، وبث ثقافة اليأس، لن يفضي إلا إلى هذه الحالة من الفصام ما بين التشدد والغلو وإرهابه أو الانفلات وموبقاته، لأننا وبأيدينا غيّبنا الخانة الوسطى رغم ادّعائنا الوسطية.