للتَّمدّن معاييره المختلفة..
من الأمثال التي يصعب قبولها كونها تنافي المنطق، وتناقض جوهر التمدن المثل القائل: «أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب». وهو مثل يعبر عن قيمة اجتماعية سلبية تعشش في الذاكرة الجماعية، وما زالت تعلن عن نفسها بصور وأشكال كثيرة، حيث الغريب هو «الآخر» المختلف ثقافة وانتماءً، أيا كانت طبيعة ذلك الانتماء، مع أنه قد يكون زميلا أو جارا أو أخا في الإنسانية. أما الأخ وابن العم فهو في هذا السياق رمزٌ لمختلف الروابط كالعشيرة والقبيلة والطائفة، وبقية الأواصر والانتماءات التي نبني عليها مواقفنا واختياراتنا بشكل عاطفي.فإذا تقدم ابن العم الأقل تأهيلا ونزاهة إلى وظيفة، صار أولى بشغلها من «الغريب» الأكفأ والأكثر إخلاصا. وفي ذلك مخالفة لروح التمدن، ومبدأ «وضع الشخص المناسب في الموقع المناسب». وإذا ترشح ابن القبيلة أو العشيرة أو الطائفة في الانتخابات، ليزداد وجاهة فوق وجاهته، وامتيازات فوق امتيازاته، منحناه أصواتنا وحرمنا منها «الغريب» الذي يترشح بهدف خدمة المجتمع وتحسين ظروف الحياة. يحدث هذا حتى في المسابقات الشعرية التي يشارك فيها الجمهور بأصواته، فترجح كفة المفضول على حساب الأفضل، حين يصبح التصويت لتلك الأواصر والانتماءات بدلا من التصويت للإبداع الأدبي. أُذَكّر مرة أخرى بأن «الغريب» في هذا السياق هو الآخر المختلف ثقافة وانتماءً. و«ابن العم» هو من تربطنا به آصرة ما أيا كانت طبيعتها. وعندما انتُخِبَ (ابن العم) صادق خان المسلم والباكستاني الأصل عمدةً لمدينة لندن كرَّس المغردون (التويتريون) في محيطنا العربي والإسلامي أحاديثهم عن ماضي الرجل وجذوره التاريخية، وتفاصيل أخرى لم تخطر على بال الناخب البريطاني حين انتخب عمدةَ مدينته، لأنها نغمات نشاز في سيمفونية التمدن. كان همُّ الناخب البريطاني المحب للحياة أن يختار شخصا مؤهلا جديرا بالثقة، وقادرا على تحسين ظروف الحياة. وتلك معايير حضارية مختلفة. أما لون المرشح وأصله وفصله، فقد تركها جانبا لأنها لا تعني شيئا في معادلة الإدارة والإنجاز. لذلك فاز المواطن البريطاني صادق خان مرشح حزب العمال، وابن سائق الحافلة، ولاحقا: رجل القانون، وعضو مجلس العموم، ووزير النقل والمواصلات. وعمدة مدينة لندن. فاز صادق خان وبقينا بعد فوزه نتسلى بالحديث عن أصله وفصله وهويته وهواه، وتفاصيل أخرى لا محل لها من الإعراب. لنتابع تأمل المثل الذي ابتدأنا به هذه السطور. فمن الواضح أنه مَثَلٌ عدائي. وحين يكون أحدهم وابن عمه على الغريب فمعنى هذا أنهما ضده، لا لسبب عقلاني غير أنه غريب. والعداوات والحَمِيَّة العصبية ومشتقاتها ضد العقل، ونقيض التمدن في شقّه الثقافي؛ التمدن الذي ساهم في فوز صادق خان، والذي أعجب به، يوما ما، رفاعة الطهطاوي، وتمنى أن يسود في ربوعنا قبل قرن ونصف القرن، بعد أن شهد آثاره الإيجابية في فرنسا، ما دفعه إلى تأليف كتابه الشهير (تخليص الإبريز في تلخيص باريز). يقول الطهطاوي: «كلما اتسع نطاق التمدن في الدنيا قلَّت العداوات، ونَدَرت التَّقلبات والتَّغلُّبات حتى تنقطع بالكلية». اليوم، ونحن نرى مؤشر العداء والكراهية يصعد، ونرى نطاق التمدن يضيق، وقيم التمدن تتراجع، والتقلبات تتفاقم على يد صناَّع العنف ومؤيديهم، لا نملك، يا سيدي، إلا أن نردد مع عادل إمام: «الله يرحمك يا طهطاوي»! وحين نترحم عليك فإننا نترحم على كل القيم الإنسانية المشتركة التي أردت أن تغرس شَتْلاتها لتنمو وتثمر، غير أنها لم تجد بيئة حاضنة.