سالم اليامي

ليبيا.. نفير وانهيار

مع مطلع شهر مايو الحالي أكدت أنباء «أمنية» أن ما يعرف بتنظيم داعش استولى على بوابة مهمة، تربط مدينة مصراتة بمنطقة الجفرة، باتجاه الجنوب الليبي. مما استدعى القيادات المحلية في مصراتة إلى إعلان حالة «النفير» العام. أي حالة الطوارئ القصوى. ودعوة القادة المدنيين، والعسكريين، إلى التوجه نحو بوابة «بوقرين» للدفاع عن مصراتة.تفحص مثل هذا الخبر يؤكد أن ذلك يحدث في ظل تصعيد سياسي وعسكري تشهده عدد من المدن الليبية أبرزها مدينة سرت، وبعض الجهات في المنطقة الشرقية. هذا التصعيد اسمه الحقيقي «حرب». حربٌ على داعش. السؤال الذي يطرحه المنطق، من الذي يقود هذه الحرب ضد هذا التنظيم؟ في الواقع أن هناك إعلانات متعددة للنفير كما أصبح مألوفا في الحالة الليبية. نفيرٌ، في المدن والمناطق والأطراف ضد داعش. وهناك واقع صعب في سرت تتسابق القوى المسلحة المحلية، والجهوية إلى التأثير فيه. وفي خضم هذه المعارك الغامضة ظهر إعلان أعضاء المجلس الرئاسي بقيادة السيد فايز السراج والقوى المسلحة التابعة لهم يرون أنهم الأحق بتمثيل ليبيا الدولة والنظام، ويتحدثون بشكل رخو عن قوى أخرى ترى أنها هي وريثة الجيش الليبي بقيادتها المعروفة، وماضيها العسكري ومجهوداتها العملية خلال الأشهر الماضية في حرب تنظيمات متعددة في المنطقة الشرقية بالتحديد. ومع ذلك ينظر إليها المجلس الرئاسي على أنها قوى موازية لقوة الدولة!!في ظل هذا الواقع الصعب الفهم، والتوصيف، تؤكد البيانات المتعاقبة للمجلس الرئاسي على أمور ضرورية أبرزها أن مباشرة الشأن العسكري وشؤون الدولة التقليدية الأخرى هي من اختصاص «الدولة الليبية المركزية» أي حكومة التوافق المنتظرة، والمجلس الرئاسي التابعة له. وكل ذلك جيد نظريا، ولكنه مثير للجدل والخلاف والاقتتال في ليبيا إذا اردنا تطبيقه على أرض الواقع. وتغدو المعضلة أكبر في هذه السياقات إذا انتقلنا لتصور محاربة الإرهاب الذي بدأ يوثق وجوده هناك.وبدأت الإشارات من عدد من السياسيين في المجلس الرئاسي تتعاطى مع مفهوم محاربة الإرهاب على أنه شأن ليبي محلي! وتزايد إعلانات الرفض الليبي الذي تصعب تحديد هويته لأي شكل من أشكال التدخل الخارجي.المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق التي لم تحصل على تأشيرة البرلمان «مجلس النواب» حتى كتابة هذه الأسطر يحاول تعظيم دوره منذ قدومه لمباشرة عمله في العاصمة طرابلس واستلامه بعض الوزارات فيها. لا يجادل أحد في أن هناك صعوبة في فهم كثير من الوقائع في ليبيا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، ولاأدل على ذلك من تعاظم أزمة الثقة العارمة بين المكونات البشرية التي قادت وعلى فترات زمنية إلى مراحل متقدمة من الخلاف، ثم إلى الصراع، والقتال المسلح. ولعل بعض رؤى الليبيين تصف مكامن الخلاف الرئيسية في هذا الصراع المتصاعد على أنه استمرار للخلاف على تقاسم الثروة. وتتعزز هذه الرؤية على المستوى المحلي في ظل غياب محركات الصراع الأهلي التقليدية.قصة الإرث العسكري، أو بنية الجيش الليبي انهارت بشكل واضح مع ثورة 17 فبراير 2011م وأصبح هناك أجسام عسكرية موازية وبديلة عرفت بالثوار، ثوار الجيش من أتباع المؤسسة العسكرية السابقة، وهناك في المقابل عسكر آخرون موالون للنظام، الذين يوصفون بأنهم ساعدوا النظام لقمع الثورة. وبرزت تيارات أخرى عسكرية محترفة نظريا، وهواة مما يعرف بالثوار المسلمين. وهؤلاء دائما كانوا يحملون نظرة ريبة وعداء لمخرجات المؤسسة العسكرية التقليدية على الرغم من ضعفها. وأيا كانت تحولات مخرجاتها بعد الثورة.ومن الأخطاء التي واجهت الدولة في ليبيا بعد الثورة، الركون إلى فكرة إمكانية إقامة دولة ونظام دون جيش. والاعتماد على كتائب، وميليشيات تتوزع ولاءاتها لأكثر من جهة. وفي معارك سرت الأخيرة كانت هناك أصوات تحدثت عن عودة مقاتلين ضد داعش يرفعون راية النظام السابق، وأصبح هناك لغط حول ما يعرف بالجيش الوطني، وقيادته، وحول كونه إحدى أذرع التمهيد لعودة النظام السابق.الهوة تتعمق بين السياسيين، وبين العسكريين وبين طبقات الثوار في البلاد. على مختلف الانتماءات، والمشارب، ومصادر الدعم والتأييد.المجلس الرئاسي ومنذ دخوله طرابلس أعلن عن «غرفة» موحدة يناط بها نظريا حماية المجلس، وتأمين العاصمة، والمنطقة الغربية. وأضيف لتلك المهام مؤخرا تحرير سرت والقضاء على داعش. وبنفس القدر إزاحة القوى العسكرية الموازية الأخرى!! كل هذه مهام كبيرة، وصعبة ليس من اليسير على جيش محترف الإتيان بها.الموجع في كل هذه المشاهد السريالية، أن مصاعب الحياة على الناس لاتتوقف عند تلك الحدود بل تتجاوزها أحياناً إلى ماهو أصعب، وأخطر، وهو صحة الناس. الأطفال والنساء، والشيوخ. وهذه منظمة الصحة العالمية تؤكد في آخر تقاريرها أن نحو 1،9 مليون ليبي يفتقرون إلى الخدمات الصحية. وفي الأيام الماضية توفي في أحد المراكز الصحية 12 طفلا من حديثي الولادة، قالت المنظمة: إن السبب في ذلك يعود إلى حدوث عدوى بكتيرية. وهذا سبب يمكن الوقاية منه بسهولة، ولكن حدوثه يعد مؤشراً واضحاً على انهيار كبير في النظام الصحي. وإن الخسائر في الأرواح مرشحة للتصاعد ما لم تتخذ تدابير عاجلة. البلاد والعباد يحتاجون إلى تدابير عاجلة في السياسة والجيش والصحة وباقي شؤون الحياة.