سالم اليامي

الكويت «بَرَعْ» الميليشيا

جزم بأننا «كل» العرب نحب اليمن، وكل شيء من اليمن لدينا جميل، ولا أعذب من رقصة البرع التي يذوب فيها اليمنيون -الرجال فقط- على صوت المزمار، وقرع الطبول، او الصاجات النحاسية، وهم يشهرون الجنبية اليمانية. ويتقافزون في حركات متداخلة بليونة ومهارة. كل ذلك يحدث بوتيرة متسارعة تبث للحماس وتروي أوجها من قصص الصراع التي عاشها الانسان هناك، مع الحياة، ومع الاخرين. شيء آخر معروف عن هذه الرقصة وهو ان التقدم الى الامام بين الراقصين يسمى برعا، او رقصاً، والعودة او التراجع الى الوراء تسمى «الردة». البرع بكل حركاته وإيقاعاته البسيطة، وحركات راقصيه العذبة، والقوية في آن مصدر للسعادة والقوة والفخر لليمنيين ولمن يعرفونهم، عندما تؤدى كل تلك الحركات من الشرفاء من ابناء البلاد المحبين لوطنهم وشعبهم والمحافظين على مكاسبه والحريصين على وحدته. ولكن عندما تُقدم فئة من اليمنيين على اختطاف السلطة والنظام والدولة ومؤسساتها وتحاول تغييب كل أسس وجود الناس، وتتعدى ذلك بتحول هذه الرقصة الشعبية المحببة لدى اهل البلاد الى اُسلوب سياسي يتلون برغبات وأماني وتوجيهات قوى خارجية لا تتمنى لليمن ولا لليمنيين والمنطقة اي خير يكون كل ذلك مفرغا من معناه وزائدا عن الحاجة ومثيرا للغضب والرفض معاً.مشاورات الكويت بين وفد الانقلابيين ووفد الشرعية اذا نظر اليها المراقب بعين الأرباح والخسائر او بميزان السياسة ومعطيات الواقع فسيجد دون ادنى شك ان كثيرا من الامور تم التغاضي عنها وتجاوزها بنية الإصلاح العام ورأب الصدع اليمني إجمالا واعتبار الأطراف كافة يمنية ومن حقها نظريا إسماع صوتها وطرح مطالبها. ولكن الواقع يقول ويوضح أن هناك طرفا مخالفا وجد الفرصة ولو مرحليا لتثبيت وجوده في صيغ الحل للمستقبل، والمشاركة في تشكيل يمن المستقبل عبر تعنته، ووضعه بشكل مستمر عقبات في وجه «الاتفاق السياسي» الذي تسعى كل الاطراف الاقليمية والدولية إلى انجازه في مشاورات الكويت التي يمضي عليها حال نشر هذا المقال أكثر من اسبوعين دون ان تحقق انجازا ملموساً. وكل ذلك بسبب عقلية الميليشيا التي تريد الحصول على كل شيء دون ان تقدم لليمنيين ولليمن وللمنطقة شيئا واحدا.اسبوعان او يزيد والمنطقة والعالم ينتظران ما يتمخض عن مشاورات اليمنيين في الكويت، هذه اللقاءات التي ترعاها دولة الكويت مشكورة بقيادتها وحكومتها وتتطلع لثمار نتائجها دول المنطقة والعالم، وتسعى الامم المتحدة عبر جهدها المرتبك لتنظيمها واخراجها للجميع بالشكل المطلوب يلاحظ عليها نقاط مهمة هي:أولاً: أن هناك أزمة ثقة عالية تسود بين اليمنيين في الجانبين. فريق الشرعية، وفريق الانقلابيين. ومن المؤسف أن أزمة الثقة هذه تعمقت مؤخرا وقبل انطلاق هذه المشاورات بالتأخير المتعمد الذي مارسه الفريق الانقلابي لانطلاق المشاورات، ثم بالاستفزاز المتعمد والتصريحات المثيرة للشرعية حول مرجعيات اللقاء، والتراجع عن اسس الحل التي حضر الجميع للكويت لمجرد التصديق عليها وتثبيتها وهي المبنية بوضوح على القرار الاممي 2216. وزادت الامور سوءًا، وتعمقت هذه الازمة عندما استغل الانقلابيون تغير بعض الظروف العسكرية على الأرض، وسارعوا إلى احتلال بعض القواعد العسكرية في ضواحي العاصمة. مع الاستمرار بحصار المدن وقصف المناطق السكنية، وتهجير المواطنين!!ثانياً: غياب الضغط الكافي، واللازم من الاطراف الاقليمية والدولية المؤثرة على كل الاطراف لانجاز «اتفاق سياسي» مقبول يكون بداية طريق لانهاء الازمة. وظهر أن هناك اطرافا قادرة على الضغط والتأثير خاصة على الجانب الحوثي ولكنها مارست شيئاً من ذلك على استحياء، او بالتجزئة. لاسباب غير معروفة إلى الآن على الأقل.ثالثاً: الأمم المتحدة وعبر ممثل الأمين العام السيد اسماعيل ولد الشيخ أحمد المبعوث الدولي لليمن لعبت دورا ضعيفا للغاية في توضيح آليات الحوار والتنسيق له، وفي بيان اصول ومرجعيات التشاور، وكان من المتوقع أن يكون هناك اشارة اكثر وضوحا وتحديداً للطرف الذي يضع العراقيل في طريق الحل السياسي المنتظر. ولا ادل على ارتباك الامم المتحدة وممثلها إلى هذه المشاورات من التصريحات المتناقضة والمتضاربة. التي توحي حينا بأن الفرقاء اقتربوا من توقيع وثيقة الاتفاق السياسي المرتقب، وتوحي احيانا اخرى بأن ذلك الامر ما زال بعيد المنال.رابعاً: استمرار الانقلابيين ومعهم فريق المخلوع في المراوغة، والاستفزاز، والسعي لافراغ المشاورات من محتواها. ولا ادل على ذلك من التلكؤ في النظرة النهائية للحل انطلاقا من «تسوية سياسية» على حد زعمهم، تثبتهم في مستقبل الدولة والنظام والمجتمع اليمني. في حين يقول المنطق وهذا رأي الشرعية والدول الراعية، انجاز البنود الامنية من القرار الاممي 2216 والمرجعيات المتفق عليها المصاحبة له. ستظل رقصة «البرع» منتجا يمنيا محببا للجميع بشرط ألا تستغل من الاطراف المنقلبة على اليمنيين انفسهم. وعلى الاقليم والعالم، لجر الجميع إلى تسوية «مرتبكة» إذا قدر لها أن تتم.