أعطيني قلما يا لينوتسكا
لا علاقة للاعتزال الذي سأتناوله هنا بواصل بن عطاء، ولا بأبي عمرو الجاحظ، فالاعتزال المقصود إبداعي بحت، ويستدعي طرح السؤال التالي: ما الذي يدفع شاعرا أو كاتبا ما إلى إعلان اعتزاله؟ هل المراد لفت الأنظار؟ أم أنه لم يعد لديه ما يضيفه؟ يمكن أن نتفهم اعتزال ملاكم أو لاعب كرة قدم وصل إلى «سِن اليأس» الإبداعي، وفقد لياقاته البدنية، بعد أن ولى عهد الشباب. هنا يصبح الاعتزال مبررا وضروريا للحفاظ على بهاء الصورة. يمكن، كذلك، أن نتفهم كيف ينسحب بعض الكتاب من ساحة الكتابة بصمت. إما لأنه قد اكتفى بتسجيل حضور عابر ثم انزوى راضيا بالصيت السابق، أو لأنه قد مات بـ (السكتة الإبداعية). أو انقطع نفسُه، ونفد زادُه، فتوقف في منتصف الطريق. فأراح واستراح. أو انصرف إلى اهتمامات أخرى، بعد أن أنتج ما يمكن أن يوصف بـ (بيضة الديك) سواء في مجال الرواية أو الشعر. «وسلوم ما زاد في (الإبداع) خردلة» مع الاعتذار لصاحب هذه العبارة التي اضطررت إلى تحريفها. تلك بعض أسباب الانسحاب غير المعلن. وللكتابة (ضرائر) كثيرة في حياة بعض «المعتزلة» من الكتاب النجباء. (أستخدم مفردة «معتزلة» في هذا السياق على سبيل الدعابة فقط). ما لا يمكن استيعابه هو أن يعلن بعضهم على رؤوس الأشهاد قرار اعتزاله عالم الكلمة. ما المغزى الكامن وراء ذلك الإعلان أو «الإشهار». وما مسوغ الاعتزال، وكل أشكال الكتابة الإبداعية تلاحق الكاتب الذي يحمل هذا الالتزام أو العشق حتى آخر يوم من حياته. هل فات على السادة المعتزلين. أن المتعة في الرسم وليس في الصورة نفسها، واللذة في الطريق إلى الهدف، وفي ترقب الوصول إليه، وليس في تحقيقه فقط؟ وأن الكتابة عشق أو شوق كذاك الذي يقول عنه يوسف غصوب: «لذاتنا في الشوق لا في الوصال»! يمكن الإشارة، هنا، إلى أن ظاهرة الاعتزال هذه أكثر ما تكون في ساحة الشعر الشعبي. مع ذلك، يمكن القول إن الإبداع الشعري سواء كان فصيحا أم عاميا هو مشروع حياة لا يتوقف، والكاتب الحق هو من يسابق الزمن حاملا قلق الرحيل قبل إنجاز مشاريعه الأدبية والفنية المؤجلة. وفرق كبير بين أن تكون الكتابة جزءا صغيرا أو ثانويا من حياة شخص ما، وأن تكون الكتابة حياته كلها. سئل الكاتب الإيطالي البيرتومورافيا: متى يمكن أن تتوقف عن الكتابة؟ فقال: «سأتوقف عن الكتابة عندما لا أجد ما أقوله للناس، وأعتقد أنه لم يزل لدي الكثير مما ينبغي أن أقوله». يقال أحيانا إنها «استراحة محارب» أي الانقطاع لفترة عن الكتابة ثم العودة إليها. إلا أنه لا توجد «استراحة» ولا إجازة في عالم الكتابة. وعندما يسقط القلم من يد الكاتب فسيقول ما قاله نيكوس كازنتزاكي: «لم أتعب ولكن الشمس غربت»! إن الإبداع ليس ترفا أو تسلية، بل مشروع حياة لا يتوقف، منذ مطلع شمس العمر حتى الغروب. سأشير، مرة أخرى وفي نهاية هذه السطور، إلى الكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكي في أيامه الأخيرة حيث تقول زوجته: كان نيكوس مريضا ودرجة حرارته 104(ف) والأطباء مضطربون، لقد فقد الجميع أملهم، لكنه ظل متماسكا. ثم سأل قائلا: «أتعطيني قلما يا لينوتسكا»!وبعد: لقد كاد القلم أن يسقط من يدي قبل أسبوعين، لكن يبدو أن الوقت لم يحِن بعد. دمتم بخير.