الثورة الصناعية الثالثة
الصناعة هي رأس الرمح التنموي حينما ننظر الى القياس الأوروبي وتجربة النمور الآسيوية، وحتى التجربة الصينية التي جعلت شعار (صنع في الصين) يتجاوز كل الحدود ويخترق أعتى وأكبر الاقتصاديات العالمية، ومع الموجة الحالية في مجالات التصنيع العالمية فإننا في الواقع في خضم ثورة صناعية ثالثة كما وصفتها مجلة الإيكونومست البريطانية، في المقالة الافتتاحية لآخر أعدادها لشهر أبريل الجاري والذي تناولت فيه تقريرا خاصا عن الثورة الصناعية الثالثة، مشيرة الى أن الثورة الصناعية الأولى بدأت في بريطانيا في أواخر القرن الثامن العشر مع دخول المكننة في صناعة النسيج، والتي ولد نتيجتها المصنع الأول في مغزلٍ للقطن، أما الثورة الصناعية الثانية فبدأت في أوائل القرن العشرين مع إبداعات هنري فورد في خط الإنتاج المتحرك، والآن هناك ثورة صناعية ثالثة على الطريق، يتجه فيها التصنيع ليصبح رقمياً، وستؤدي إلى تغييرات كبرى، لن تكون التجارة إلا جانباً من جوانب عديدة أخرى ستتأثر بها.الثورة الصناعية الثالثة التي أتحدث عنها، تتعلق بمنتجات الطابعة ثلاثية الابعاد والتصاميم الكمبيوترية وما يتعلق بالتقنيات الحديثة، ونحن في السعودية نبحث عن البديل المناسب للدخل عوضا عن البترول الذي تدنى سعره وأصبح الآخرون ينافسونه بالنفط الصخري، فيما نحن في أمسّ الحاجة الى توجيه البوصلة الى الاتجاه الصحيح، فلدينا الشباب المتعلق بالانترنت والتقنيات الحديثة وتطبيقاتها، ولا ينقصنا سوى توجيههم الى طريق هذه الثورة الصناعية الثالثة لكي نمسك بزمام أمورها منذ البداية، فهذه الثورة القادمة ستكتسح العالم قريبا تماما كما فعل الترانزستور الياباني الذي جعل اليابان ثاني أكبر دولة صناعية في العالم.من المهم جدا الدخول في منظومة تصنيعية نكون جزءا منها، وطالما لدينا الإمكانيات المادية والبشرية والإرادة والخطط فيمكننا أن نسهم في الدخول في خضم تلك الثورة الصناعية بتوطين كثير من الصناعات ونقل تقنياتها الى الداخل وفتح المجال أمام مزيد من الاستثمارات الصناعية، بالاستفادة من القدرات الفائقة لكثير من شبابنا في العالم الرقمي الحديث الذي أظهروا فيه مواهب مبدعة يمكنها أن تكون جزءا مهما في التطور الصناعي، الذي بات يعتمد على تقنيات رقمية لا تنقصهم القدرات للتصالح معها والمضي بها بعيدا بما يحقق نقلة نوعية وكمية نحتاجها في الحاضر والمستقبل، خاصة وأننا أمام تحدي تنويع مصادر الدخل والابتعاد تدريجيا عن النفط كمصدر وحيد وأساسي للدخل الوطني.تقرير الإيكونومست أكد أن الطباعة ثلاثية الأبعاد هي الأكثر إدهاشاً من بين كل التقنيات الجديدة. وقد بدأ بالفعل استخدامها في صنع عدة منتجات كمعينات السمع وقطع الطائرات التي تتضمن تقنية عالية والتي تحتاج لأن تفصّل بأشكال شديدة التخصيص. ستغيّر هذه التقنية جغرافيا عمليات التوريد، فبفضلها لن يضطر بعد الآن مهندسٌ يعمل في وسط الصحراء إلى انتظار توريد إحدى المعدات إليه من قرية قريبة، كل ما عليه عمله هو تحميل تصميم القطعة من الإنترنت ثم طباعته. وتلك نقلة علمية مذهلة ستجعل كل ما نتعامل معه حاليا جزءا من الماضي والتاريخ، وقد انتهى الوقت الذي نظل فيه مستهلكين للتقنية والعلوم والمنتجات لأن هناك فرصة تتفق مع طموحاتنا في التنمية والبناء وينبغي استغلالها من خلال زيادة فعاليات المؤسسات العلمية والبحثية واستقطاب الموهوبين وتحفيزهم للابتكار والتطوير.لم نعد مستهلكين ولن نعود إذا أدرنا ماكينات المصانع الوطنية واستوعبنا مواردنا البشرية في نظام تصنيعي قادر على المواكبة والابتكار ودخول المعامل الحديثة من أجل الاختراع والاستكشاف، فنحن أحد أكثر شعوب العالم اقترابا وقربا من التقنيات الرقمية ما يجعل سوقنا الداخلي مميزا لمنتجات صناعتنا التي يمكن أن تنتقل بعد ذلك الى أسواق العالم من خلال عملية تنافسية وفقا لنظم التجارة العالمية، وقد آن الأوان لنسهم في الثورة الصناعية الثالثة كمنتجين لا مستهلكين.