د. فالح العجمي

المؤلفة جيوبهم.. عوداً على بدء

أعترف بأن مصطلح «المؤلفة جيوبهم» ليس من صناعتي، لكني نسيت الآن من ابتكره لأنسبه إليه. وهو يخص فئة (أو فئات متعددة) من جنسيات عربية امتهنت الادعاء بأنها صانعة أمجاد في بعض البيئات الخليجية، ووقع في غرامها بعض الجهلة من منظمي فعالياتنا الثقافية، أو حتى بعض المسؤولين الذين ارتهنوا قرارهم لمستشارين قليلي الحيلة؛ يرون في كل من استطاع تصفيف الكلام عبقرياً لم يجد به الزمان. وكانت صياغة هذا المصطلح على غرار «المؤلفة قلوبهم»، الذين نالهم كثير من الهبات والغنائم في أول عهد الإسلام لاستمالة قلوبهم إلى الدين الجديد. أما الظاهرة المنتشرة بمنطقة الخليج في عصرنا هذا، فهي متعلقة بتجار شنطة؛ يسحبون شنطهم من محطة خليجية إلى أخرى، متنقلين بين مؤتمر لا علاقة لهم أحياناً بتخصصه، ومعرض لا يعرفون منه إلا من يديره أو يشرف عليه، واحتفال جائزة يهيمن على القرار فيه أحد معارفهم. فيتنقلون في رحلة واحدة تصل أحياناً إلى عدة أشهر متصلة بين مدينة خليجية وأخرى، يلقّنون فيها هؤلاء الجهلة (الخليجيين) – بزعمهم – كيفية إدارة الأمور، وكيفيات الحكم على الأشياء من خلال أبجديات قد لا يكون يعرفها أولئك المنظمون؛ لكن البلدان الخليجية مليئة برجال ونساء، يدركون تلك القضايا بصورة أفضل مما يدعيه هؤلاء المزيفون، الذين لا يجدون أحياناً مكاناً لهم في بلدانهم، لكنهم قادرون على إيهام هؤلاء البسطاء، الذين ابتليت بهم الساحة الثقافية، بأنه دونهم لن يسير أي شيء بطريقة سليمة ومتزنة. أحد هؤلاء هو من انتشرت فضيحته مؤخراً في وسائل الإعلام التقليدية والجديدة، البطل الغضنفر، صاحب العلم الأوحد، ومحرك الجماهير - في ظنه - من يُسمى محمد الهاشمي الحامدي، التونسي الجنسية، وأنزه إخواننا التوانسة عن أن ينالهم شيء من صفاته المذمومة، التي تتجاوز الحدود العربية إلى المهجر. فهذا النكرة في عالم الإعلام والتأثير أغرته نفسه الدنيئة قبل أسابيع بأن يهدد السعودية؛ متوعداً أنها ستخسر دعمه إن لم توقف قنوات مجموعة الإم بي سي. ومن دواعي السخرية وهزالة المنطق لديه، أن يتوعدها بسحب رعاية الحرمين الشريفين منها إن هي لم تستجب لمطالبه. فما الذي أوصل هذا المجنون إلى هذه النتيجة، بغض النظر عن ضحالة فكره، وسوء خلقه؛ إذ ينهش الأيدي التي أكرمته - وهو بالطبع غير مستحق - لسنوات عديدة؟. أظن أن أحد الأسباب هو كون هذا الدعيّ قد تصوّر أن هذه البلاد بكاملها يدير أمورها أناس على غرار من كانوا يستقبلونه ويكرمونه، وهو يعرف في قرارة نفسه بأن ليس لديه مؤهلات لأي شيء سوى التزلف وشيء من العلاقات مع بعض اللئام في الداخل. فازداد طمعه بأن يسوّق لنفسه بأنه من فئة عبدالباري عطوان، حيث يظن بأن ما لم يحصل عليه بالتزلف، يمكنه أن يحصل عليه بالتهديد، وشراء سكوته. علماً أن هدفه الرئيس خلال السنوات الماضية كان متمثلاً في محاولته بيع محطته الفضائية، ذات الشقة المستأجرة في لندن، إلى السعودية، أو على الأقل الحصول على دعم مالي مستمر لها. وكنت في أكثر من مناسبة أرى ذلك الوسيط المحلي يسحبه من يده، ليمكنه من لقاء وزير الإعلام؛ لكنه فشل في تسويق نفسه مع أكثر من وزير قابلهم لنفس الغرض. أظن أن أول مراحل تنقية البيئة أن نمنع وجود أصحاب الشلل من تسيد القرار في التنظيم والدعوات، والمرحلة التالية أن لا تتكرر دعوة أي أحد لأكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة؛ وبهذا نمنع هذه الطحالب من أن تنشأ في بيئتنا الثقافية.