البشَر من وجهة نظر بعير
عاشت الجِمال آلاف السنين في شبه الجزيرة العربية، وجالت في صحاريها بمفردها، ومع أصحابها الذين عاشوا في تواؤم معها ومع الطبيعة من حولهم من مصادر المياه والغذاء الشحيحة إلى المناخ الشديد الصرامة في تلك البقعة من الأرض. فرغم الجفاف الشديد في صحاري شبه الجزيرة العربية، وقلة الغذاء الذي يمكّن الحيوانات من العيش فيها والمسير الطويل بين جهاتها المتباعدة، إلا أن الإبل قد أثبتت أنها صالحة لتلك البيئة، وقادرة على التأقلم مع ظروفها؛ إذ تسير فيها مئات الأميال دون شرب، وتبقى أياماً دون طعام. فاستحقت من أجل ذلك أن يكون اعتماد العرب عليها في حياتهم كبيراً في أزمنة مضت، لأنهم يعيشون في مناطق أكثرها صحارٍ، ويسيرون في الفيافي المقفرة على ظهورها. كما أنها مصدر غذائهم الرئيس (اللحوم والحليب)، ومن أوبارها وجلودها يصنعون موادهم الأولية في الحياة. وقد استغنى العرب في هذه المناطق عنها بعد أن تغيرت الظروف في عصرنا الحاضر؛ إذ لم يعودوا يحتاجون إليها في تنقلهم، بعد أن ابتكرت وسائل النقل الحديثة من السيارات والقطارات والطائرات، كما لم يعودوا معتمدين عليها في غذائهم (أصبحت مصادر اللحوم والألبان متعددة، وتأتي المصنوعات الجلدية وغيرها من بلدان كثيرة). فاخترقت مناطقَ مراعي الإبل كثيرٌ من الطرق الإسفلتية، التي تسير عليها آلاف السيارات يومياً، مما يشكل خطراً عليها، إذا اقتربت من تلك الشرايين السوداء (وبالطبع على الناس الذين يتضررون من حوادثها المميتة). فأصبح الناس على الطرقات وذووهم في الديار لدى توديعهم أو انتظارهم في المواقع التي يبتغونها خائفين وحانقين أحياناً على تلك الحيوانات، لأنها تمثل خطراً كبيراً عليهم، خاصة عندما يجن الليل، وتصبح الرؤية محدودة، ولا يفرق السائقون بين سواد الطريق وسواد قوائمها التي تبدأ معها كارثة الحادث المهلك. فصارت في نظرهم تتساوى مع الشاحنات الكبيرة على الطرقات في كونها مصدر خطر على السيارات الصغيرة وأصحابها، إن لم يكن خطرها أكبر، لكونها تقف في هدوء على الطريق دون أنوار. لكن هذه الحيوانات البائسة في مناطق كثيرة، ومنها المنطقة الشرقية حول الأحساء وما بعدها باتجاه المنطقة الوسطى، أصبحت في أوضاع يرثى لها. فهي محصورة بين حواجز الطرق التي سيجت من أجل حماية السيارات وسائقيها من الجمال، كما أصبحت في بعض تلك المناطق تسير بين أنابيب البترول الممتدة لمسافات طويلة والعقوم الموازية لها. وفي مناطق أخرى توزعت الكسارات ومصانع المواد الأولية التي تثير الجلبة، وتجلب الغبار؛ مثلما تتوزع أكوام هائلة من الحجارة والنفايات على مسافات شاسعة. فتأخذ من الصحراء هدوءها وعن قشرة الأرض نباتاتها الضئيلة، التي كانت تعتمد عليها الإبل في تلك المناطق. فكأني بتلك الكائنات تسير في هذه البقاع، التي كانت مبهجة لأسلافها، لتقول: ما الذي دهى البشر؟ ولماذا أصبح الإنسان مزعجاً وغير متوائم مع الطبيعة؟ ولماذا لم يعد صديقاً لنا كما كان؟ فهل أصبح ناكراً للجميل، بعد أن خدمناه، ووفرنا له ظروف الحياة، التي كانت مستحيلة دوننا، يشعرنا الآن وكأننا من سقط المتاع الزائد؟ لكنه بالتأكيد سيحتاج إلينا يوما ما، عندما يستهلك وسائله الحديثة، أو بعد أن تستهلكه، حينها لن نلتفت إليه، ولن نبقى في خدمته كما كنا في الأزمنة الخوالي. فهو الآن يسير دون توقف، وفي عجلة من أمره. وعندما يلتفت إلى الطبيعة من حوله، سيجد نفسه وقد دمرها، ولم يعد قادراً على الاستفادة منها بعد أن تهدأ هذه الجلبة، ويعود أدراجه بسيطاً كما كان. ولن يجد خف بعير يقلّه!