جريمة تزوير الموظف العام للمحررات الرسمية
تعد جريمة التزوير في المحررات الرسمية واحدة من أكثر الجرائم خطورة وانتشارًا في مجتمعاتنا العربية، لأنها تؤدي إلى الإخلال بالثقة اللازم توافرها في هذه المحررات، ولأن أثرها في الغالب لا يقتصر على فرد أو مجموعة من الأفراد، وإنما يمتد هذا الأثر عادة إلى الثبات والاستقرار الداخلي للدول، والمساس بمصالح المجتمع بشكل مباشر.وقد عرّفت المادة الأولى من النظام الجزائي لجرائم التزوير الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/11) وتاريخ 18/2/1435هـ، جريمة التزوير بأنها: "كل تغيير للحقيقة بإحدى الطرق المنصوص عليها في هذا النظام - حدث بسوء نية - قصداً للاستعمال فيما يحميه النظام من محرر أو خاتم أو علامة أو طابع، وكان من شأن هذا التغيير أن يتسبب في ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي لأي شخص ذي صفة طبيعية أو اعتبارية".ولوقوع جريمة التزوير في المحررات الرسمية من قبل أحد الموظفين العموميين، فلا بد من توافر ثلاثة شروط، أولها، أن يقع التزوير في محرر رسمي. والمحرر وفقًا للمادة الأولى من النظام الجزائي لجرائم التزوير يعرف بأنه: "كل مسطور يتضمن حروفاً أو علامات ينتقل بقراءتها الفكر إلى معنى معين بصرف النظر عن الوعاء الذي كتبت أو حفظت فيه، بما في ذلك وسائل تقنية المعلومات".أما المحرر الرسمي فهو كل ما يحرره موظف عام مكلف بتحريره بحكم وظيفته، وعلى موجب ما تقضي به القوانين واللوائح لإعطائه الصفة الرسمية، في حدود السلطات والاختصاصات الممنوحة له.وقد بينت اللائحة التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/53) وتاريخ 13/8/1433هـ، ماهية التزوير في الأوراق الرسمية، حيث نصت المادة (141/1) على أن: "التزوير على الأوراق الرسمية نوعان: تزوير معلومات، وتزوير توقيع وكلاهما قادح في حجيتها ...".وجدير بالذكر أن للمحررات الرسمية عدة أنواع، فهناك المحررات الإدارية، وهي محررات تصدر عن السلطات والجهات الإدارية المتعددة، ومن ذلك على سبيل المثال، إصدار شهادات الميلاد وشهادات الوفاة، ورخص قيادة المركبات والسيارات، وغيرها الكثير، وهناك المحررات القضائية، والمحررات السياسية، وغيرها من الأنواع الأخرى. والشرط الثاني، أن يصدر التزوير عن موظف عمومي: والموظف العام يعرف بأنه: "كل شخص يعهد إليه بعمل دائم في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام". فكل من يشغل وظيفة دائمة مما تسير به المرافق العامة، سواء بطريق الاستغلال المباشر من الدولة، أو وحداتها العامة، فهو موظف عام. مع مراعاة أن يكون الموظف العام مختصًا بتحرير هذا المحرر، وأن يتم ذلك حسب القواعد المقررة نظامًا.والشرط الثالث، أن يتم التزوير أثناء تأدية الوظيفة: ويعني هذا الشرط أن تقع جريمة التزوير أثناء أداء الموظف العام لعمله، أو ممارسته لاختصاصه بتحرير المحرر الرسمي، أو بالتدخل في تحريره أو بإعطائه الصفة الرسمية. بمعنى أن تقع جريمة التزوير من الموظف العام أثناء مزاولته لأعمال وظيفته فقط، أما إذا ارتكب مثل هذه الجريمة قبل استلام وظيفته، أو بعد تقاعده أو بفقده وظيفته لأي سبب من الأسباب، أو لزوال الاختصاص بتدوين المحررات، فهنا ينتفي وصف وقوع الجريمة من موظف عام. وقد جرم المنظم السعودي وقوع هذه الجريمة من قبل الموظف العام، حيث نصت المادة الثانية عشرة من النظام الجزائي لجرائم التزوير على أن: "كل موظف عام زور محررًا مما يختص بتحريره، يعاقب بالسجن من سنة إلى سبع سنوات وبغرامة لا تزيد على سبعمائة ألف ريال".كما نصت أيضا المادة الرابعة عشرة من النظام المشار إليه على أن: "من زور أو منح (بحسب اختصاصه) تقريرًا أو شهادة طبية على خلاف الحقيقة مع علمه بذلك، يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز سنة، وبغرامة لا تزيد على مائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين".وتطبيق هذه العقوبات بحق مرتكبي هذه الجريمة مرهون بوقوع الجريمة بعد تحقق ركنيها المادي والمعنوي، ولهذا فسوف نكمل الحديث في المقال القادم إن شاء الله تعالى حول هذين الركنين، وبعض الجوانب النظامية الأخرى ذات الصلة. تطبيق هذه العقوبات بحق مرتكبي هذه الجريمة مرهون بوقوع الجريمة بعد تحقق ركنيها المادي والمعنوي