الإطراء.. مِشْنَقة من حرير!
يقال «هنالك من يفضّل أن يقتله المديحُ على أن ينقذه النقد»، والمقصود بذلك النقد الموضوعي، فهو مرآة لا تكذب. لذلك يقول الفنان التشكيلي رود جودكينز «اختر ناقدك بعناية» أي الناقد الذي يقيّم الأشياء وفق شروط العمل، وليس وفق شروطه الخاصة. اختر ناقدك بعناية.. فهنالك من يتجه إلى نقد العمل بنية المديح أو الهجاء. وكلا التوجهين فاقد للمصداقية. وإذا كان الإطراء صادقا، ولم يكن تطبيلا أو تلميعا أو تزويرا للواقع، فلا ضير في أن يقال للمنتج المبدع في أي موقع كان: «أجدتَ وأبدعتَ». وبخلاف ذلك يصبح الإطراء أشبه بمشنقة من حرير، ويصبح النقد وإن كان قاسيا طوق نجاة. وليس الكلام هنا على النقد الأدبي وحده، بل على النقد بمختلف أشكاله الثقافية والاجتماعية والسياسية. وعلى المستوى الإبداعي، ليس أجمل من أن يكون المرء الناقد الأول لعمله. إن السبيل إلى الإتقان هو أن يتحرر المرء من نرجسيته، ويكون صارما في نقده لأعماله. أن يقسو المرء على نفسه يعني أن يبقي أعماله ومشاريعه التي لا تنال استحسانه حبيسة الأدراج، حتى لو نالت استحسان وإعجاب غيره، وشجعه الآخرون على الإفراج عنها. وأن يقسو على نفسه يعني أن يحذو حذو فرانسيس بيكون (الرسام) الذي لم يسمح لأي عمل دون المستوى المطلوب بمغادرة مرسمه، وعندما شاهد واحدة من لوحاته معروضة للبيع، ورأى أنها ليست جيدة كما كان يعتقد في السابق، دخل إلى المعرض واشترى اللوحة ثم مزقها! لكن ذلك فرانسيس بيكون. يخشى هذا النموذج من الاستِثْنائِيين أن يجد نفسه، يوما ما، شخصا عاديا أو أسير أمجاده السابقة. ومن لا يخامره مثل هذا الشعور لا يستطيع تجاوز نفسه والتمرد عليها، والتخلي عن قناعات ومفاهيم وآراء كان يجدها ذات يوم من المسلَّمات. لا يوجد ما هو أكثر تعطيلا للإبداع وجناية عليه من البقاء في أسر المنجز. لذلك يقترح جودكينز قائلا: «تحرر من إنجازاتك». ورغبة التحرر هذه تدفع إلى الاعتقاد بأن أجمل الأعمال هي تلك التي لم تنجز بعد. أما القناعة فسوف تكرس الشعور بأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان. العالم من حولنا متجدد، ومن الأمثال التي نلهج بها دائما هو «دوام الحال من المحال». والثابت على حاله شخص ماضوي لا يعيش الحاضر، وهو على النقيض من المتجدد الذي يحيا أكثر من حياة. وبالعودة إلى فوبيا النقد، وفي مجلس ضم جَمعاً من الأصدقاء، قال أحدهم: «يا فلان لي عليك بعض الملاحظات». وانتظرنا ردة فعل (فلان) الذي ظهرت على وجهه علامات الضيق لكنه قال: «كلّي آذان صاغية، فخير أصدقائي من أهدى إلي عيوبي». عندئذ علّق أحد الظرفاء مازحا فقال: «لا تصدقه.. واحتفظ بملاحظاتك لنفسك، فسوف يفقد صوابه بعد «الهدية» الأولى، وعليك أن تنفذ بجلدك بعد «الهدية» الثانية»! ومعنى هذا أننا نلهج بعبارات للاستهلاك اليومي هي من مستلزمات السكبة الاجتماعية. وهي دليل على ازدواج الشخصية، حيث تناقض الأفعالُ الأقوال. ولو التزمنا بما تلهج به ألسنتنا يوميا من وصايا وحكم وأمثال لتحقق حلم (المدينة الفاضلة) على الأرض دون مساعدة من أفلاطون ونظرائه من الفلاسفة. وبعد: فالنقد هو الخطوة الأولى على طريق التغيير والتجاوز، ويمكن أن نختم هذه السطور بعبارة الدوس هكسلي: «الثبات منافٍ للطبيعة وللحياة، والناس الوحيدون الذين لا يتغيرون أبدا هم الموتى».