شبابنا بين الوظيفة والعمل الحر
مسألة النسبة والتناسب في الوظائف، التي يتم طرحها في أيام المهنة، تبدو قاسية جدا، وصعبة على الفهم، فالوظائف التي يتم عرضها محدودة جدا مقابل آلاف يتقدمون إليها، ويمكن النظر إلى خبر عن يوم تم تنظيمه أخيرا من قبل جامعة العلوم والتكنولوجيا في جدة تنافس فيه 28 ألف طالب وطالبة عمل على 1000 وظيفة، قدمتها 36 شركة، وقد شهد الافتتاح فقط حضور 5 آلاف طالب عمل، إذ تلتقي الشركات مع الباحثين عن العمل؛ لتبسيط وتسهيل كافة ما يتعلق بالبحث عن العمل. ورغم أن حضور عدد كبير يؤكد تنامي عدد الباحثين عن عمل سنويا، بشكل يفوق عدد الوظائف المطروحة، إلا أن التضخم الوظيفي يثير القلق خاصة وأن المتقدمين في أغلبهم إن لم يكن جميعهم جامعيون، وذلك يجعلنا نفكر في الخيارات والبدائل لهذا التدفق الكثيف على الوظائف بعيدا عن العملية الانتاجية والاستثمارية، ومن الجيد أن يبحث الخريجون عن الوظائف رغم محدوديتها لكن ماذا عن العمل العصامي والابتكار الاستثماري والانتاجي، ولماذا لا نجد تدفقا مبتكرا نحو المنشآت الصغيرة والمتوسطة بصورة فردية أو جماعية؟ الواقع يثبت أن هذا الخيار يمكن أن يجد فيه الشباب الكثير من الفائدة والجدوى الاقتصادية إذا توفرت لديهم الإمكانية واستكشفوا ذواتهم وارتفعوا بإرادتهم الى مستوى العمل الانتاجي بكل ما فيه من جهد ومشقة.تجربة جائزة الشاب العصامي، التي أطلقها سمو أمير منطقة القصيم، أكدت -بما لا يدع مجالا للشك- أن الشباب يمكن أن يجدوا فرصهم في أكثر من مجال إذا اجتهدوا ولم يركنوا الى الوظيفة، ومن واقع حصاد الجائزة ونتائجها العظيمة فإن الشباب اجتهدوا وكدّوا وتعبوا وأطلقوا مخيلتهم في أعمال يجدون فيها أنفسهم وحصلوا على ما يتطلعون اليه دون انتظار الوظائف، وحين ننظر في تجربة دول مثل ماليزيا في عهد رئيس وزرائها مهاتير محمد الذي استضافته الجائزة مؤخرا لتقديم تجربته في الوصول ببلده الى ما وصلت اليه؛ فإننا نجد أن الوظيفة ليست غاية وإنما وسيلة، ولكن لدى كثير من شبابنا العكس هو الصحيح، وهكذا ارتقت ماليزيا في خضم عملية تنموية واسعة، تعتمد على الإنتاج الفردي والجماعي فيما لم تكن هناك وظائف أصلا.ذات الأمر ينطبق على الصين التي وصلت الاقتصاد الثاني عالميا بالاعتماد على الانتاج عبر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأسر المنتجة والتفكير في الخيارات الإنتاجية بعيدا عن الوظائف والعمل الروتيني، في وقت تعداد الصينيين يفوق دولا مثل بلادنا بأشواط بعيدة، لذلك أرى من الضروري أن يعيد الشباب النظر في الوظيفة وعدم اللجوء اليها كخيار نهائي يحقق طموحاتهم وإنما تظل وسيلة وليست غاية، ويمكنهم أن يعملوا فرادى لمن يتيسر لهم رأس المال أو جماعات يتشاركون ويتعاونون في مشروعات منتجة، يمكن أن تدر دخولا مرتفعة ولكن لا بد من التخطيط والمتابعة وبذل الجهد، فلا عمل له قيمة بلا جهد، وحتى الوظائف ليست مصدرا لراتب ثابت ومضمون، وإنما لكي يتطور فيها سعيد الحظ بها أن يبذل جهده لتطوير نفسه واكتشاف مزيد من التجارب والخبرات الجديدة التي تساعده في النمو والتطور.