د. حسن العالي

تنويع الصناعات النفطية

مع تعاظم ثورة النفط والغاز الصخريين خاصة في الولايات المتحدة من جهة، وتلك المؤشرات التي تنبئ ببقاء الاقتصاديات الخليجية مصدرا رئيسيا للنفط للعقود السبعة القادمة على الأقل من جهة أخرى، يستلزم ذلك من دول الخليج التفكير في استراتيجيات تأخذ بالاعتبار تناقص حاجة الدول الصناعية لنفطها، وبالوقت نفسه أن تبقى على معدلات إنتاجها وفقا للاحتياجات العالمية ولكن مع تعظيم القيمة المضافة للإنتاج من النفط والغاز.ولابد أن تنطوي مثل هذه الاستراتيجيات على قيام الدول النفطية المصدرة للنفط بمد حلقات التشابك الأفقي والعمودي بين مصادر الطاقة وبين الأنشطة الاقتصادية الأخرى، وعدم الاكتفاء بتحويل الموارد النفطية إلى استثمارات في البنية التحتية كونه لم يحقق لحد الآن المساهمة القوية في الترويج للقطاع الخاص وخلق فرص كافية للعمالة الوطنية.إن شركات النفط الوطنية في دول مجلس التعاون الخليجي حققت نجاحاً باهراً في تحسين قدراتها الفنية والإدارية في التعامل مع المشاريع الضخمة للتنقيب والإنتاج. بينما نجحت دول أخرى، وبدرجات متفاوتة في جهودها لتحويل احتياطاتها النفطية إلى موارد مالية.وتتمثل الجهود الرئيسية لدول المجلس من أجل تعظيم القيمة المضافة للنفط في تطوير قطاع البتروكيماويات، حيث تعتبر الصناعات البتروكيماوية من أهم الصناعات التي تقوم على تعظيم القيمة المضافة للنفط في دول المجلس. ويقدر أن تنتج منطقة الشرق الأوسط 20% من الإنتاج العالمي للبتروكيماويات بحلول عام 2015. وتتصدر المملكة العربية السعودية قطاع البتروكيماويات في المنطقة حيث تمثل 7% من العرض العالمي للمنتجات البتروكيماوية الأساسية، و70% من الناتج الإجمالي لدول المجلس. وتتصدر شركة «سابك» قطاع البتروكيماويات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتبلغ حصتها في سوق المنطقة نحو 62% ما يجعلها واحدة من أكبر عشر شركات للبتروكيماويات في العالم. وبالإضافة إلى الصناعات البتروكيماوية تعمل دول مجلس التعاون الخليجي على إنشاء وتطوير صناعات وخدمات مرتبطة بالبترول والطاقة. فعلى سبيل المثال، ساهمت وزارة البترول والثروة المعدنية السعودية في إنشاء شركة خدمات التصنيع والطاقة «طاقة» التي يملكها ويديرها القطاع الخاص عام 2003. وتتمثل الصورة العامة في شركة «طاقة» في تركيز جهودها على بحث وتحديد ومتابعة أوسع الفرص ذات القيمة المضافة في قطاعات الطاقة والمجالات المتعلقة بقطاعات الطاقة مثل البترول والغاز والبتروكيماويات والكهرباء والمياه والمعادن والتعدين.وتعمل شركة «طاقة» على تطوير المشاريع من خلال جذب شركاء جدد وتشكيل تحالفات استراتيجية، ويتسع نطاق أعمالها بحيث يسمح لها بالمشاركة في مجموعة واسعة من الأنشطة التي تشمل تقديم خدمات الاستكشاف بالمسح الزلزالي والدراسات الجيوفيزيائية والحفر البري والبحري لاستخراج البترول والغاز. كذلك إنشاء عدد من المشاريع الصناعية والخدمية المساندة لقطاعات البترول والغاز والمعادن والبتروكيماويات والمناجم والكهرباء والمياه بشكل مباشر أو من خلال إنشاء شركات متخصصة.كما قام عدد من دول مجلس التعاون الخليجي بتأسيس التجمعات الصناعية لتطوير قطاعات صناعية واعدة هي صناعات المعادن ، صناعة السيارات وأجزائها، صناعة الطاقة الشمسية، وصناعة البلاستيك ومواد التغليف، ومؤخراً اضيفت الصناعات الدوائية إلى هذه القائمة، وهي جميعها صناعات مشتقة من الصناعات النفطية.وإحدى أهم الركائز في استراتيجية هذه التجمعات هي الاستفادة من وفرة المعادن والموارد البتروكيماوية والطاقة بالإضافة إلى ميّزات أخرى لتحقيق تنمية ذات أسس متينة. وقد تم توجيه برنامج التجمعات الصناعية لخدمة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بصورة خاصة من خلال بناء معرفة وقاعدة معلومات تنافسية لإنشاء تجمعات صناعية قابلة للتنفيذ ومجدية مادياً، ووضع الاستراتيجيات التي تمكّن من تنفيذها، بالإضافة إلى مراقبة اتجاهات الأسواق العالمية والفرص والمخاطر وتحويل فرص الاستثمار إلى مشاريع صغيرة ومتوسطة على أرض الواقع، عن طريق تطوير مشاريع محورية منافسة لكل تجمّع صناعي. ويقوم برنامج التجمعات الصناعية في السعودية بتسهيل عملية تقديم طلبات الإجراءات الحكومية مثل الهيئة العامة للاستثمار ووزارة التجارة والصناعة، وصندوق التنمية الصناعية السعودي وصندوق الاستثمارات العامة، وهيئة المدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن)، والهيئة الملكية. إلا أن التحدي الكبير القادم الذي يواجه شركات النفط الخليجية، خصوصا مع التراجع الكبير في النفط، يتجاوز مجرد تحويل احتياطاتها إلى موارد مالية حيث يتعلق الأمر بدخول دول المنطقة مرحلة النضوج الاقتصادي والتنمية المستدامة. إن مصادر التمويل الحكومية والحسابات الخارجية وبرامج الإنفاق المحلية تظل جميعا تعتمد بشكل مكثف على العائدات النفطية غير أنه بالنظر إلى التذبذبات الحادة في أسعار النفط وبالتالي في الإيرادات النفطية الحكومية فإن هذا النموذج يصبح غير مرغوب فيه وغير قابل للاستثمار على المدى البعيد.لذلك فإن أفضل السبل للاستغلال الأمثل لإمكانات التطوير الاقتصادي للطاقة خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التوقعات المتوسطة الأجل ببقاء أسعار النفط منخفضة في مقابل تعاظم دور النفط الصخري، يتمثل في إيجاد الروابط ما بين قطاعات النفط والغاز وبقية القطاعات الاقتصادية الأخرى، وخاصة الصناعات الصغيرة والمتوسطة إذ إن حجم إنتاج وصادرات النفط والغاز من منطقة الخليج يمكنه دعم الأنشطة الاقتصادية الثانوية والتكميلية الضخمة والمتنوعة التي تكون مطلوبة عادة لمساندة حجم معين من إنتاج النفط والغاز. إن بامكان صناعة النفط والغاز إسناد أعمال عشرات ومئات المشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بصناعات النفط في مختلف المجالات والقطاعات مثل الخدمات الفنية والآلات وخدمات النقل وعمليات المحاكاة والتصنيع وصيانة الحقول النفطية والخدمات القانونية والمالية المتخصصة وتمويل المشاريع وخطوط الأنابيب وأعمال التركيبات وعدد ضخم آخر من الخدمات المساندة. وهذا الوضع من شأنه أن يخلق بيئة خصبة للغاية بالنسبة لعدد ضخم من المؤسسات المختصة بتقديم هذه الخدمات. ومن أجل تحقيق هذا الهدف يجب أن تعمل دول مجلس التعاون على تأسيس مراكز أو مدن للطاقة متكاملة الخدمات وذات أهداف إستراتيجية طموحة لتعظيم القيمة المضافة للنفط وذلك على شاكلة المراكز الرئيسية للطاقة في هيوستون وسنغافورة وكالغاري وستانغر وابردين.