انيسة الشريف مكي

لماذا تهرب الفتيات؟!

الحياة في بعض الأسر معقدة، صراعات، وأزمات، وتوتر وحروب لا تنتهي بين الأبوين وانعدام التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة سبب كل بلاء، قد يكون هناك تواصل أحياناً ولكن ليس لمعرفة مشاكل الأبناء، بل للتأنيب والعقاب، ودون توضيح الأسباب، وكثيراً ما ينتهي دون أن يعرف المُعاقب سبب عقابه. وكذلك بعد الأب عن وظيفته الأساسية في رعاية الأسرة والأبناء والاعتماد على الأم التي تعتمد بدورها على الخادمات - المسمار الأول في نعش المجتمع وانهياره – بعض الأسر تنتهج التربية الصارمة دون مبرر، ناهيك عن الحرمان العاطفي الدافع الأكبر للهروب مع ملاحظة أن أكثر الهاربات في سن المراهقة السن الذي هن في أمس الحاجة للإشباع العاطفي فيه من الوالدين والأسرة، والمحروم يبحث عن بديل أيا كان إنسانا عابثا بلا ضمير أو ذئبا مفترسا ينتظر الفريسة.عدم وجود الأمن النفسي الذاتي والأمن النفسي الأسري يدفع للبحث عنه خارج الأسرة وعدم توعية الأهل بمفهوم مخاطر الشارع وما يحتويه من صداقات أو زمالات سيئة من بيئات مختلفة ناهيك عن نشوء علاقات عاطفية سيئة، زد على ذلك الانفتاح الكبير على وسائل الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي وسهولة الوصول للسلبي قبل الإيجابي - لا ننكر أن لوسائل الاتصال ايجابيات – ولكن أيضاً لها من السلبيات ما قد يفوق الإيجابيات في حالة عدم الرقابة من الأهل، وعدم غرس الوازع الديني في نفوس الأبناء وتربيتهم على القيم والمبادئ وتعليمهم التمييز بين الصواب والخطأ.فساد وانحرافات سلوكية وأخلاقية تتوالد وتنمو سببها التربية العشوائية وقلة وسائل التوعية والتوجيه أو عدمها، وتقصير المؤسسات الاجتماعية والأسرة مع احترامي بدءا من الإعلام مرورا بالمدرسة والأسرة.حياة بركانية وفتيات مراهقات يعشن البركان والمتغيرات، ويفتقرن للأمان الأسري والقدوة فيجرفهن التيار ويحولهن إلى شخصيات تائهة حائرة لا تعرف لأي وجهة تسير ضاعت وضعيت معها القيم بكل أشكالها، فوضى تربوية، بالإضافة إلى غزو الثقافات المختلفة للبيوت عبر بعض الفضائيات وبرامجها الهابطة، ورغبة الفتيات في المحاكاة والتقليد الأعمى. ولا ننسى المجتمع المنحاز للرجل فله الدور الأكبر في هروب الفتيات، حيث تعيش الفتاة الكبت والضغوط، فتشعر بالظلم للتفريق بينها وبين أشقائها الذكور بوضع حد معين لها لا يمكن تجاوزه "خط أحمر" ويفتح الباب على مصراعيه للذكر. معاناة داخل مجتمع ذكوري منحاز للرجل، وفي هذه الحالة إما أن تعيش التقوقع في ذاتها والتشرنق بشرنقة اكتئابها هاربة من الواقع، أو رافضة لكل القيود فتهرب انتقاماً لنفسها، وانتقاماً من والديها. ومن أهم الأسباب انفصال الأبوين وقسوة زوجة الأب، أو عكسه دلال زائد وحريّة مطلقة. ولبعض البيئات المتدنية ماليا وثقافيا وتعليميا دورٌ أيضاً.أضف إلى ذلك عدم النضج الاجتماعي فمعظم الحالات صغيرات السن وعدم قدرتهن لاتخاذ قرارات سليمة أثناء تعرضهن للضغوط الاجتماعية المستمرة والانفتاح والجوع العاطفي الأسري وصداقة الأهل المعدومة. يجب تفعيل دور الآباء والأمهات داخل الأسرة، وكذلك تفعيل دور المؤسسات التربوية والتعليمية، والاجتماعية ووسائل الإعلام قبل أن نخسر المزيد من زهرات الربيع، وقبل أن تعبث بهن رياح الخريف وقبل أن يضعن ويُدمن أصنافاً من المخدرات أو يُضبطن في جرائم أخلاقية.ولي حديث آخر في الموضوع مهم!!.. عندما تسقط الهاربات في مستنقع الانحلال ويحكم عليهن وتنتهي مدة محكوميتهن سواء كانت في دار الرعاية الاجتماعية أو في السجون ويُصبحن من التائبات، يطلب من أولياء أمورهن استلامهن، يقابل هذا الطلب بالرفض من الأهل وتبقى المحكوم عليها في الدار أو في السجن مدة طويلة تعود لأسوأ مما كانت عليه بسبب اختلاط الصالح بالطالح.أتمنى أن يكون هناك نظام يُعاقب الأسر التي ترفض استلام بناتها عقب إنهاء مدة محكوميتهن. وأخذ تعهد عليهم بعدم إيذائهن.أكرر ندائي للآباء والأمهات الذين كان من المفترض أن يكونوا أكثر مني شفقة على بناتهن. أشكر دور الرعاية الاجتماعية ومصلحة السجون على ما يقومون به من مجهود مشكور لتأهيل التائبات وإعادتهن للمجتمع كعضوات فاعلات وأتمنى على المجتمع قبولهن بعين الرضا والله غفور رحيم.