تَلاسُن إلكتروني
"لا تحارب الكراهية بالكراهية." حكمة لا تجد لها أذنا صاغية في صخب فضائنا الإلكتروني. وهو ما أغراني، ذات يوم، بالكتابة عن "مضارب الفرنجة الالكترونية"، أي مواقع تواصلهم الاجتماعي التي لم تعد في محيطنا العربي مواقعَ للتواصل، بعد أن جُرِّدت مفردة "تواصل" من معناها. كلما حمي وطيسُ ذلك التَّلاسُن الإلكتروني العنيف انتابني فضول للوقوف على ما يدور في مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى. لعلي أجد فيها ما يعزِّيني على النحو الذي تعبر عنه مقولة: "إذا رأيت مصائبَ غيرك هانت عليك مصيبتك". وهو فضول لم يقتل القِطَّة لكنه خيّب أملها، فلم أعثر في تلك المواقع على ما يعزّيني. يمكنك أن تختار واحدا من تلك المواقع (وليكن تويتر على سبيل المثال) بحثاً عن قضايا تتباين حولها الآراء، لتعرف كيف يتناولها المغردون، وبأية لغة يقاربونها. قد تصادف بعض التغريدات التي تتناول مشاكل الهجرة غير القانونية، والتمييز العنصري، وشكاوى الأمريكان من أصول أفريقية وآسيوية، والصورة النمطية للآخر. وستجد اختلافا في وجهات نظر المغردين، لكنه اختلاف يتم تناوله بلغة هادئة لا أثر فيها للتشنج. قد يكون النقد لاذعا أحيانا لكنه بعيد عن البذاءات. بعض التغريدات أقرب إلى روح الدعابة كتلك التي تتناول بالسخرية "سور ترامب العظيم" الذي وعد دونالد ترامب بإقامته للحد من تدفق المكسيكيين. ومن الدعابات ما هو شخصي كذلك الذي تتحدث عنه الممثلة سارة بولسون التي يعيب عليها بعضهم لثغتها وجبهتها العريضة. لكن بولسون تعلق على ذلك التهكم قائلة: "عندي لثغة وجبهة عريضة يمكن أن تهبط عليها طائرة"! وهي بهذا التعليق تشارك في الدُّعابَة المضادة. لا أريد أن أرسم صورة زاهية لتلك المواقع الإلكترونية، فلكل قاعدة استثناء، لكنه استثناء محدود قياسا بما أتابعه في مواقع التواصل الاجتماعي العربية. تساءلت مرة: من أين يستمد ذلك العنف اللغوي طاقته؟ وهل لسنوات التنشئة الأولى في البيت حيث القمع والتسلط وانعدام الحوار، أو في المدرسة حيث التلقين وتكريس أحادية الرؤية، دور في ذلك الخطاب المحتقن؟ يبدو لي أن للتنشئة الأولى دورا بارزا في ذلك، فقد أخفقت في إعداد فرد يجيد فن الاختلاف وأسلوب التخاطب الراقي، أو يمتلك مهارات التفكير النقدي المستقل كيلا يصبح ريشة في مهب التناقضات. كما لم تساهم تلك التنشئة في تكريس المعايير الصحيحة لتقييم الآخر المختلف عِرقاً وهوية. ولم تمكنه من تجاوز الإيثار الأعمى لما تم تلقينه منذ الصغر، ومن ثمَّ رؤية ذلك التنوع الفاتن للحياة خارج إطار محيطه الثقافي. لقد هيأت تلك التربية شخصا يريد أن يصبح العالم نسخة منه. وهي حالة من الزهو النرجسي لا تملك حيالها سوى أن تستدعي قول الشاعر: "ليس على الله بمستكثرٍ أن يجمع العَالَم في واحد"!مواقع التواصل الاجتماعي منجزات قيّمة حولها بعض المستخدمين إلى فضاء للعنف اللغوي، ومفارخ للضغينة. فإذا فتح أحدهم باب البذاءات على مصراعيه، تذكر الحكمة القائلة: "لا تجادلْ الأحمق فقد يخطئ الناس في التفريق بينكما"!. كتبت مرة: إن 140 حرفا التي منحنا إياها تويتر لا تكفي، وكانت مبرراتي، وما زالت، وجيهة، لكني أتنازل اليوم عن ذلك الاقتراح للتقليل من شَطَط القول، وسَقَط الكلام. ولعل السيد جاك دورسي مؤسس موقع تويتر يدرك يوما ما كيف أسيء استخدام منجزه القيِّم، فيحذو حذو الفريد نوبل (مخترع الديناميت) ويوصي بجائزة تحمل اسمه هي: جائزة دورسي للتواصل الاجتماعي الراقي.