ترامب.. فتى بروكلين الفظ الصخاب..
في مواسم الانتخاب الأمريكية بالذات، يتفكه الأمريكيون والناس شطراً من أيامهم، بأنواع المرشحين للرئاسة، وحلم البيت الأبيض وحكم العالم..وتعود الناس والأمريكيون، أنه في مواسم الفرز الأولى للمرشحين، تظهر أنواع من المرشحين، الذين يدخلون بـ «العرض» إما لحب الظهور فقط والتمتع بلقب «مرشح للرئاسة» لساعات أو أيام، مثل ذلك الذي كان برنامجه تغيير عدد شهور السنة أو عدد ساعات اليوم، وبعضهم ينفق ويجادل ويخوض مناظرات طويلة، فقط ليستمتع بأضواء التلفزيونات لجذب الناس إلى أفكاره أو مشروعاته التجارية، حتى وإن بدا يطرح أفكاراً هوجاء، مثل الثري دونالد ترامب، الذي تعمد أن يطرح أفكاراً عدوانية ضد المكسيكيين الذين وصفهم بأنهم «تجار مخدرات» و«مغتصبون»، وهاجم المسلمين والعرب، وهدد العراق بدفع ثمن محاربة داعش، ورأى أن تدفع كوريا الجنوبية ثمن الحماية العسكرية الأمريكية من عدوانية النظام الشمولي في بيانغ يانع. وأعلن أنه سيطلب من بلدان أخرى الدفع مقابل خدمات القوة العظمى الأمريكية.وكل هذا الكم من مهارة «الابتزاز» يعني أنه قد تأثر بمهنة «السمسار»، بوصفة وسيطا ومالك عقار، إلى درجة أنه، إذا ما أصبح رئيساً، يعتزم تأجير خدمات القوى العظمى في العالم لمن يدفع، وفي ذلك إهانة لأمريكا والأمريكيين. والولايات المتحدة تطرح نفسها مدافعة عن حقوق الإنسان، وأسست لموضات المجتمع المدني وثقافة الشراكة واخترعت «وسائل التواصل الاجتماعي» العالمية، وترى نفسها معنية بقيادة الدنيا، ويفترض أن يقدم مرشحوها للرئاسة مشروعات مبادئ لتعزيز القيم الإنسانية والسلام بين الشعوب والأمم، لا أن يتحولوا إلى سماسرة جوالين. وبلغ بترامب، فتى بروكلين، الجموح الصخاب أن أعلن إعجابه بأسلوب زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون المهووس بإعدام معارضيه.للوهلة الأولى يبدو ترامب مجرد رجل فظ يعلن أفكاره السوداء وجنونه الخاص، إلا أن رجلاً أسود، ذا قلب أبيض وفكر واع، وأحد المهتمين بالتنوع في أمريكا الكابح لفظاظة العرق الأبيض في البلد القارة، قال لي إن ترامب لم يكن أهوج بل إنه يناغم مخاوف المتطرفين البيض، من تمدد حركة التنوع واتساع مساحة الملونين ذوي السحنة الأسبانية المكسيكية الذين يشكلون كابوساً للرجل الأبيض ويهددون بإزاحته عن الهيمنة على القوة العظمى، خاصة أن الـ «الهسبانك»، وهم الأسبان الأمريكيون، تتصاعد أعدادهم بنسبة أعلى من نمو البيض، لهذا يود ترامب إحياء المارد العنصري في العقل الأبيض مجدداً. وهو بمحاولته هذه يهدف إلى تحريض البيض الأغنياء على دعم حملته وتتويجه رئيساً، ليمنع الكابوس من التحقق.وهذا يعني أن ترامب يتصرف بتلقائية الحاسة السادسة أو الحدس، أو يقرأ المستقبل مبكراً، لأن المتطرفين البيض يخشون أن أي أكثرية ملونة أو سوداء ربما تفتح ملفات قديمة، وتنكأ جراحاً قد اندملت أو تثير نيران لا تزال تحيا تحت الرماد، بل تنفجر أحياناً قيحاً، فقد أمضت مدينة فيرغسون في ولاية ميسوري في اغسطس 2014 شهراً مضطرباً ومشحوناً بالكره والثأر، بل عادت الشوارع تلتهب بشعارات التحرر والشكوى من الاضطهاد التي كان السود يشحنون بها إراداتهم وحلمهم بالتحرر من أسر اللون في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.وذلك بلا شك مخيف ومروع لشخصيات متطرفة ومتهورة مثل ترامب، غير أن ترامب جمع بين التطرف العنصري وثقافة البيوع ومهارات المداولات، ولو أن محللين يرون أنه لا يحلم بالفوز بالرئاسة أبداً، وإنما هدفه أن يحدث رواجاً لنفسه، على أمل أن يهيمن على الرئيس الجمهوري المقبل لتسهيل أعماله، ومنها أنه يضع عينيه على كوبا، وسيكون بحاجة لمساعدة البيت الأبيض لتيسير إمكانية تشييد منتجع هناك.وتوجد إشارة، هي الخلفية الثقافية لترامب، فهو قد نشأ فكرياً ومهنياً في بروكلين، إحدى مقاطعات النخبة في نيويورك، حيث كان يساعد والده في مكتب سمسرة عقارات. ومنذ التسعينيات ونسبة البيض تزداد في المقاطعة فيما يتقلص عدد السود والملونين مع تحول جوهري في اقتصاد المقاطعة من الصناعة إلى الخدمات.وأخيراً.. يمكن القول إنه إذا كانت أمريكا في عام 2000 لم تجد في 300 مليون أمريكي ما يستحق الرئاسة إلا جورج دبليو بوش، وهو رجل ساذج وضحل الثقافة ويتمتع بقدر من الغفلة، فليس مستغرباً أن تبلي العالم بترامب وتهوراته. وتر بهاء الغيوم مدى الأمل.. واحتفاء المهج الظمأى.. إذ تحتفل خباري المواسم، وذرى يذبل المهيب، برائحة المطر.. هذه الغيمة وعد «المغاتير».. وتلاع الجفاف. وبهجة إثل البراري..إذ تنهي الأرض الصابرة صومها.. ويروي وادي الحمض ظمأه ويودع لوعات العطش.