د. أمل الطعيمي

مستقبل الوطنية.. بيد من؟

كان من ضمن فعاليات النشاط الثقافي لمهرجان «الجنادرية ٣٠» ندوة بعنوان: (مستقبل الوطنية والتحديات المحلية - تنازع الهويات وتعدد الانتماءات)، شارك فيها مجموعة من الأساتذة الأفاضل، تناول كل واحد منهم الوضع الراهن الذي تعيشه الأوطان العربية، والصراعات التي تدور فيها بين نتيجة ذلك التنازع والانقسام بين المذاهب والأحزاب قديمها وحديثها. والآثار التي ترتبت على ذلك وهي واضحة نعيشها اليوم بكل ما فيها من جنون وعنف ودماء وتكفير. والأسوأ ما يعيشه الشباب من تشتت فكري وعقائدي، حتى صرنا نسمع عن الإلحاد والردة بينهم، وصرنا نقرأ لهم في مواقع التواصل ما يعبر عن ضياع فكري يعيشونه. وبعد أن استمعت إلى كلمات المشاركين، ومداخلات الحاضرين؛ لفت نظري أن المنصة المخصصة للمتحدثين تكاد أن تخلو من الشباب، وكذلك الحال في مقاعد الحضور! فعن أي مستقبل نتحدث في غيابهم؟! كيف نتحدث وننقاش أمراً هم الأولى به فهم لبنة المستقبل الأولى. وهنا تذكرت أن حضور الشباب طواعية لمثل هذه الأنشطة الثقافية من الأمور شبه المستحيلة. ومع هذا فلا بد من وسيلة لجذبهم، ولا بد من وسائل أخرى لإشراكهم، وكسب ثقتهم من باب منحهم الثقة؛ فالمستقبل لهم وهو حياتهم القادمة وحياة أجيال سيشاركون في ولادته. غاب الشباب فكثر التحليل والشرح والتنظير، فخرجت من ذلك كله بأسئلة ترن في عقلي: وماذا بعد؟ متى سنتحرك؟ ألا يجب أن نتوقف عن اجترار الماضي الذي نمارسه كل يوم بالقول والفعل؟ وعندما نفعل ذلك، ما هو شعورنا أو تفكيرنا فيهم؟ فهل نتأمل خيراً في المستقبل الشاب؟ ثم ماذا عن حماسهم وفتوتهم التي جعلت بعضهم يتلقف التاريخ العربي الدموي، ويتبناه؛ فيتلقفه من يوظفه للشر؛ لأنه ألغى كل شيء عربي آخر فلا فكر وفلسفة، ولا شعر وعلم. من سيحميهم من أنفسهم، ومن سيحمي الأوطان ومستقبلها منهم؟ وهم اليوم يختلفون على ما يختلف عليه سلفهم! فأعجب من شباب يحتدون لدرجة العراك اللفظي القبيح وهم يتحدثون عن جمال عبدالناصر وسيد قطب! أو عن الاشتراكية والرأسمالية والامبريالية! ناهيك عن خلافهم على معاوية وعلي، واختلافهم المستمر على دم البعوضة في الوقت الذي يريقون فيه دماء البشر!! من أين تبدأ المشكلة ومن أين تنتهي؟ هل تراها تبدأ من الإصرار على حمل كل تركة من سبقوهم؟ أم تبدأ من تلاعب بعضنا بالدين وعملهم على تحريف مساره القويم حين جعلوا الدين ضد الحياة؟! مع أن الأصل معاكس لذلك تماماً سواء في حقيقة الفرد، لقوله تعالى: «هو أنشأكم في الأرض واستعمركم فيها» وعمارة الأرض لا تتفق مع هدمها بالقتل والتكفير والجهل وتحريم الحلال وتحليل الحرام. وكذلك هو الحال مع الجماعات، فالله -عز وجل- يقول لنا: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» ولم يجعلنا شعوباً لنتقاتل، أو لنتبارى في التشريد. أو لنتجسس. الحياة ليست كما نحياها، والدين ليس كما نطبق. هذا هو الخلل الأكبر الذي يعيشه المسلم اليوم. وهذا هو سبب كل التناقضات التي أنجبت مجتمعات تخاف من بعضها، فلا ترى رحمة الله ولا تنصت لكل كلمات الحب والسلام والتعايش والرحمة وكف الأذى التي وردت جميعها في الكتاب الذي هو هدى للمتقين. وطالما أن التقوى لم تتحقق في البدء، فبالتالي لم تتحقق الهداية. «ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين». فإلى متى سيظل كثير من العرب والمسلمين ينظرون إلى العالم من زاوية ضيقة جداً، ويرفضون بعنجهية بلهاء وخوف شديد أن يوسعوها من أجل التعايش والتفاعل والإنتاج. بل إن بعضهم يعمد إلى تضييقها أو حتى دفنها! هذا الخوف غير مبرر وبخاصة أنهم يزعمون بأنهم أقوياء بما يملكون من معتقدات، ولكن خوفهم يفضح ضعفهم وقلة وعيهم بما يملكون من ثروة منحها الله لكل العالم، وبدأ بهم، فهل قدروا ذلك وعملوا بما يتطلبه الأمر منهم. إن واقعنا اليوم يفضح ضعفنا في أداء المهمة التي اختارها لنا الله، فمتى نقوى؟ وأين السبيل لذلك؟