هناء مكي

الشمول المالي «2»

لعل الكثير لم يسمع بمصطلح الشمول المالي، وهو قصور ليس في التوعية بالتعريف به، بل حتى في العمل وفقه، هذا المصطلح يختص ويستهدف الفئة الاقل في استخدامها للمنتجات المصرفية التي تقدمها المؤسسات المالية كتلك التي لا تملك حساباً مصرفياً على سبيل المثال أو لم تلجأ للاستفادة من أي خدمة بنكية يوماً، ولم تقترض أو لم تودع مالاً لعدم حاجتها ولعدم قدرتها المالية. ولكن المعنيّ الأكثر من تحقيق الشمول المالي مجتمعياً هم المؤسسات المالية التمويلية، أي تلك التي توفر خدمات التمويل للمشاريع والاستثمارات. ففي الوقت الذي من المرجح أن تقل فيه نسب الودائع والسلفيات والقروض تحسباً لما هو أسوأ، إذ اقتصر أمر التمويل في المرحلة السابقة بغالبه على تمويل العقارات والاسكان والمركبات والقروض الشخصية. فإن الأفراد اليوم في حالة استنفار لما هو قادم في ظل ارتفاع اعداد المسرحين والمفصولين وتقليل النفقات ورفع دعم الدولة، لم تعد هناك نظرة مترفهة وإن لم يوضح الأمر اليوم سيتضح غداً، ولكن هناك إرهاصات للنأي عن المديونيات من قبل العديد من الأفراد الذين بدأوا خططهم التقشفية هم كذلك. وفي كل الأحوال لن يكون الإقبال على تلك المنتجات كما السابق وغالبية المصارف ستتجه لجعل خدماتها "تلي بنك" و"فون بنك" أي خدمات الكترونية يمكن إجراؤها عبر الهاتف المحمول، فما الحاجة للعديد من الموظفين!! لذا فإن المصارف التي تضررت أو ستتضرر هي الأخرى ستلجأ للتقليل من نسبة العمالة لديها، وتقليل نفقاتها ومصاريفها، بيد أن لديها بديلا يجعلها من خلاله أن تدعم وضعها في السوق وتدعم الاقتصاد المحلي معاً، وهو تبني فكرة "الشمول المالي" الذي يعتمد على فكرة الوصول لتلك الفئات الفقيرة والمحتاجة ودعمها بتقديم منتجات تمويلية تنافسية لمساعدتها على تأسيس مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر بعد أن فقدت الدعم أو العمل أو النفقة. هناك حاجة كبيرة لدعم المشاريع المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر فالاقتصاديات المتقدمة لم تستقو إلا بها، والصناعات الحديثة لم تبدأ إلا من خلال ورش الخردة والمصانع الصغيرة، لذا يجب الاهتمام بهذا القطاع بجدية. الأمر يحتاج إلى شجاعة من الطرفين الممول والمستهدف من الأفراد، هذه المشاريع الصغيرة من شأنها أن تعيد النشاط للسوق والثقة فيه، فأي ركود سيطال السوق في المراحل القادمة لن يكون شيئاً محموداً على الاطلاق. هناك نسب مخاطرة وهذا واقع، ولكن كل هذه الاستراتيجيات أجدها متأخرة لو أن المصارف بدأت بالعمل وفقها قبل زمن بدل الاعتماد على توفير خدمات السلفيات والودائع، لكان معدل المخاطرة أقل من الآن، بيد أن الوضع يحتاج إلى مثل هذه المخاطرة وإلا فإن حالة التقشف التي تؤكد عليها دولنا الخليجية وتبدؤها بخطوات متتالية سيلجأ لها الفرد العامل في الدولة هو الآخر استعد او لم يستعد.