جريمة غسل الأموال (2/3)
تحدثنا في المقال السابق عن مفهوم جريمة غسل الأموال وأسبابها والآثار السلبية المترتبة عليها، وعن خطورة هذه الجريمة لكونها جريمة تبعية تتطلب وقوع جريمة أصلية قبلها، ونواصل الحديث في مقالنا هذا حول هذه النوعية من الجرائم، التي انتشرت في منطقتنا خلال العقدين الماضيين نظرًا لغياب أنظمة وقوانين تحد من ارتكاب جرائم غسل الأموال. واستكمالًا لذلك، فإن عمليات غسل الأموال تمر بثلاث مراحل أساسية، لكل مرحلة من هذه المراحل خطوات قد تختلف وفقًا لأسلوب وكيفية إتمام الجريمة، وأول هذه المراحل هي مرحلة الإيداع، التي تعد الركيزة الأساس، لأنها تتطلب أن تكون البنوك والمصارف طرفًا فيها. وفي هذه المرحلة يقوم صاحب الأموال الناتجة عن كسب أو مصدر غير مشروع بالتخلص منها وإخفاء مصدرها، عن طريق إيداعها مجزأة في الداخل أو في الخارج، سواء أكانت في حسابات بنكية أم بشيكات أم عبر شراء العقارات والأسهم والأوراق المالية وغيرها، ودائمًا يتم تحويل وإيداع هذه الأموال لدى مصارف الدول التي تتسم بضعف القوانين المصرفية، وضعف رقابة السلطات المالية المشرفة عليها، لتجنب الإفصاح عن مصادر هذه الأموال. وتأتي بعد ذلك المرحلة الثانية، وهي مرحلة التغطية أو التعتيم، وفي هذه المرحلة يتم إجراء مجموعة من العمليات المتعاقبة، التي تهدف إلى التضليل والتمويه، من أجل إخفاء المصدر غير المشروع لهذه الأموال، وقطع صلتها تمامًا بمصدرها الأصلي تجنبًا لاقتفاء أثرها من قبل السلطات المختصة، والجهات المسئولة عن مكافحة جريمة غسل الأموال. وتعد هذه المرحلة من أكثر المراحل الثلاث تعقيدًا وتشعبًا وأكثرها اتصافًا بالطبيعة الدولية، لأن نقل الأموال الناتجة عن مصدر غير مشروع أصبح يتم بسرعة كبيرة من دولة لأخرى، عن طريق التحويلات البرقية والإلكترونية من خلال استخدام القنوات المصرفية السرية المنتشرة في أرجاء العالم، وتوزيع هذه الأموال بين عدة استثمارات وفي بلدان مختلفة، بحيث يتم تسهيل حركة وانتقال رؤوس الأموال غير المشروعة بين العديد من الدول عن طريق الحسابات المصرفية للشركات الوهمية التابعة للمنظمات الإجرامية، أو عن طريق الفواتير المزورة وخطابات الاعتماد وغيرها، مما يصعب معه تعقب وملاحقة مصدر هذه الأموال بسبب تشعب وتعقيد عمليات التعتيم التي يساهم فيها أفضل الكوادر في مجال المحاسبة المصرفية. وتأتي بعد ذلك المرحلة الثالثة والأخيرة، وهي مرحلة الدمج، وفيها يتم إعادة ضخ الأموال والعائدات الناتجة عن الكسب غير المشروع إلى الأسواق المحلية والدولية على حد سواء، لكي يتم دمجها ومزجها كلياً في كافة الأنشطة والمجالات الاقتصادية، مثل تملك نسب في شركات أو عقارات، لإضفاء المظهر القانوني عليها وإحاطتها بسياج منيع من الحماية، بحيث يصعب تمييزها أو فصلها عن الأموال والعائدات المشروعة. وفي هذه الحالة يتم استغلال هذه الأموال في عقد صفقات مالية أو مشروعات تجارية وصناعية ينتج عنها أموال وعائدات مشروعة المصدر يمكن أن يستخدمها هؤلاء المجرمون ويتصرفون فيها بمطلق الحرية. ورغم صعوبة تقصي هذه الجرائم إلا أن المملكة تعتبر من الدول السباقة في التصدي لجرائم غسل الأموال، ونجحت في ضبط العمليات البنكية من خلال التعليمات التي تصدر بشكل متواصل من مؤسسة النقد العربي السعودي. وفي هذا الصدد، فقد جرم المنظم السعودي الأفعال التي تدخل ضمن جريمة غسل الأموال، حيث نصت المادة الثانية من نظام مكافحة غسل الأموال الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/31) وتاريخ 11/5/1433هـ على أنه: "يعد مرتكباً جريمة غسل الأموال كل من فعل أياً من الأفعال الآتية: 1/ إجراء أي عملية لأموال أو متحصلات مع علمه بأنها ناتجة من نشاط إجرامي أو مصدر غير مشروع أو غير نظامي. 2/ نقل أموال أو متحصلات أو اكتسابها أو استخدامها أو حفظها أو تلقيها أو تحويلها، مع علمه بأنها ناتجة من نشاط إجرامي أو مصدر غير مشروع أو غير نظامي. 3/ إخفاء أو تمويه طبيعة الأموال أو المتحصلات أو مصدرها أو حركتها أو ملكيتها أو مكانها أو طريقة التصرف بها، مع علمه بأنها ناتجة من نشاط إجرامي أو مصدر غير مشروع أو غير نظامي. 4/ الاشتراك بطريق الاتفاق أو المساعدة أو التحريض أو تقديم المشورة أو النصح أو التسهيل أو التواطؤ أو التستر أو الشروع في ارتكاب أي فعل من الأفعال المنصوص عليها في هذه المادة ...". وسوف نكمل الحديث حول الجوانب القانونية لهذا الموضوع في المقال القادم إن شاء الله تعالى. يتم إعادة ضخ الأموال والعائدات الناتجة عن الكسب غير المشروع إلى الأسواق المحلية والدولية على حد سواء