الاقتصاد الوطني وجشع هؤلاء
بناء اقتصاد هامشي أو مواز للاقتصاد الوطني، غالبا يأتي من مقيمين جشعين ومواطنين، إن لم يكونوا بذات الجشع فإنهم لا يتمتعون بالوعي الاقتصادي والأمني لخطورة ما يفعلونه، سواء بمبادرات غير مشروعة أو بإيحاء من أولئك المقيمين، وذلك في الحقيقة شائع فيما يعرف بقضايا التستر التجاري، التي تنهك الاقتصاد وتضعف حصوله على عوائده، وحين ننظر في حجم القضايا التي تضبطها الأجهزة المعنية فإنها مبالغ كبيرة لا تدخل بصورة مؤثرة في الدورة المالية للخزينة العامة وإنما تتجه لصالح القلة المنتفعة من هذا السلوك الإجرامي.الصحف تنشر بعض تلك القضايا، وبصورة شخصية استفزني خبر نشرته صحيفة "عكاظ" مؤخرا عن اتهام شركة يملكها ويديرها رجل أعمال لبناني له نشاط تجاري واسع بالتستر التجاري، واللافت أن الشركة المدعى عليها سبق أن أعلن أنها ستطرح للاكتتاب، في حالة اشبه بغسيل الأموال، ولكنه في هذا الإطار غسيل مؤسساتي وإجرائي كان سيجعلها أكثر مشروعية، وفطرا ينبت في الحركة المالية، وذلك يشكل اختراقا جريئا للتنظيم الإداري في بلادنا، ويمكن أن نصفه بكثير من المترادفات السلبية.المدعي العام بالمحكمة الإدارية وجه تهمة التستر التجاري لثلاثة لبنانيين، ويتم استكمال التحقيقات مع متورطين آخرين في هذه القضية، وفرز تحقيقات مستقلة تتعلق بشبهة غسل أموال لا يزال التحقيق فيها مستمرا، وندع المسار القضائي جانبا طالما أن القضية منظورة، ونكتفي بأمرين: أولهما جرأة هؤلاء المقيمين على أنظمة البلاد، والثاني فداحة الجرم بحق مجتمعنا ووطننا بكل استهتار.وأما الجرأة فهي من سوء الأدب في الإقامة ببلادنا، وذلك مع هذه الجريمة يجعل كل متستر يتعامل باستخفاف مع الأنظمة، وهنا يتعرض اقتصادنا الوطني لتخريب نحصده في عدة اتجاهات، أولها حرمان الخزينة من عوائد مستحقة، ووجود أنشطة هدامة وضارة تعمل على تخريب الاقتصاد، وحرمان أبناء البلد من الممارسة العملية لأن ذلك ولا بد أن تترتب عليه تضييقات على أعمالهم وجعلهم من الناحية الوظيفية تحت رحمة مخربين يعبثون بهم ويسومونهم سوء العذاب، بعدم احترامهم والحرص على تطوير قدراتهم؛ لأنهم لم يحترموا أصالة البلد الذي يعملون فيه.ثاني الأخطار هو انتشار الظاهرة واعتياد بعض ضعاف النفوس على مكاسب سهلة تأتيهم من فتات هؤلاء المقيمين الذين يديرون الأنشطة بكامل الصلاحية لدرجة حتى لا تمنح من يتسترون عليهم حق اكتساب خبرة تطوير قدراتهم الإدارية، واستكشاف الفرص الاستثمارية الكامنة في أعمال يمكن أن يعملوا عليها بأنفسهم ويتمتعوا بمكاسبها دون وسيط أو مقيم انتهازي، أما ثالث الأخطار فإن تلك الأنشطة ترفع نسبيا العاطلين عن العمل إلا بحد السعودة الذي يمكن أن يتعرض لاحتيال متعمد، لأن الأجانب لن يرغبوا في توظيف مواطنين لأسباب نفسية وعملية وخوفا من كشف ما يعملون ويفعلون من مخالفات.من خلال هذه الوقائع، من الضروري أن يتطور نظام مكافحة التستر بحيث يكتسب مزيدا من الفعالية الإجرائية التي تجعل كل قضية تأخذ مسارها بسرعة بعيدا عن البيروقراطية، وتكبح كل متطلع لكسب غير شرعي على حساب اقتصادنا، بتشديد العقوبات وجعلها معلنة لتردع كل من تسوّل له نفسه الإقامة والتخريب.