بداية سنة أم حقبة جديدة؟
حسب التاريخ الميلادي لا تخطئ العينان بدايات عام جديد، ورقم جديد في آحاد التأريخ السنوي؛ لكن ماذا عن هذه السنة 2016 التي قال عنها كثير من الناس، بأنها سنة ليست كالسنوات، ورقم لن ينساه التاريخ في العصر الحديث؟ هل هي تخرصات أصحاب الفراغ والمتنبئين دائماً في نهاية كل سنة ومطلع الأخرى، أم إنها تنبؤات تقوم على مقدمات تسمح بشيء من تلك التوقعات على أقل تقدير؟ فبالنسبة للاحتمال الأول، أنها سنة كغيرها من السنوات في هذا العقد الميلادي، هي بالتأكيد لها طابع خاص أيضاً؛ لكونها بدأت بعد سنة أليمة لقارات العالم القديم (آسيا وأفريقيا وأوروبا). فقد حدثت في سنة 2015 نكبات كبرى من أوكرانيا وحربها المستعرة إلى منطقة الشرق الأوسط المشتعلة، ومن أزمات تترى في غرب القارة الأفريقية وشمالها، إلى موجات الهجرة الكبرى ونزوح أعداد هائلة إلى أوروبا، وليس انتهاء بالإرهاب الذي ضرب القارة الأوروبية بقوة، خاصة ما كان منه في قلب مدينة الثقافة العالمية باريس. لذلك، فإن شعوراً بالارتياح، ولو شكلياً فحسب، سيعتري أعداداً كبيرة من الناس، وهم يطوون صفحة تلك السنة الكئيبة. وإذا أضفنا إلى انتهاء سنة ارتبطت بتلك المآسي أيضاً كون هذه السنة قد بدأت مع أسعار زهيدة للطاقة، فإن معالم الفرحة بقدومها ستكون أكبر، لما يبشر به ذلك من نمو اقتصادي في أغلب مناطق العالم الذي يعاني من ركود أو كساد في بعضها. أما الاحتمال الآخر، فإنها بداية حقبة وليست سنة مكملة عددياً لغيرها؛ فهو أيضاً لا يخلو من معززات فيما سبقها من أحداث وتوترات عالمية تذكّر بمراحل المخاض للأحداث الكبرى في التاريخ. فقد اشتدت الأزمات السياسية المتلاحقة بين الكتل المؤثرة في العالم؛ بين روسيا والاتحاد الأوروبي من جهة، وبينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى بسبب التدخلات في أوكرانيا، ثم بسبب انخراطها عسكرياً في الحرب الأهلية في سوريا، إضافة إلى الأزمة الناشئة بين روسيا وتركيا (عضو حلف الناتو) بسبب إسقاط تركيا طائرة روسية على الحدود بينها وبين سوريا، والتي أوشكت على التحول إلى حرب ساخنة بعد الحرب الدبلوماسية التي دارت بين البلدين. وماذا عن شعور الناس بها في منطقتنا العربية؟ وهل يختلف عن تصورات الناس في بقية بلدان العالم؟ في الواقع، إن المنطقة -رغم كونها مشتعلة منذ خمس سنوات تقريباً- إلا أنها أصبحت أقل قدرة على تحمل المزيد من الأزمات والانقسامات. ولم يعد أكثر المتفائلين يحسون بإمكانات التقدم في أي من الملفات الحساسة في المنطقة، بالرغم من تفاؤل عدد قليل من الناس بأجواء المحادثات التي كانت قيد التحضير لها في نهاية العام المنصرم ومطلع العالم الجديد بين الفريقين المتناحرين في اليمن المنكوبة، وبوادر لقاءات يراد عقدها بين الفرق المتناحرة في سوريا على أساس من مبادئ مؤتمر جنيف الأول، الذي أصبح -كعادة العرب في اكتشافاتهم الأمور بعد فوات أوانها- مطمعاً في العودة إليه، والانطلاق مما توافقت عليه الوفود فيه بحضور دولي لافت من القوى الكبرى والمنظمات الدولية. ومما زاد الأمر سوءاً الشرخ الجديد في العلاقات بين السعودية وإيران، مما أدى إلى قطع العلاقات بينهما، إثر تدخلات إيرانية في بعض الأحكام القضائية الصادرة داخل السعودية. ولكون البلدين يتصادمان في أغلب ملفات المنطقة الملتهبة أساساً، فإن آمال التقدم في أي منها أصبح أكثر صعوبة، وربما احتاج الأمر إلى جهود مضاعفة من الوسطاء الدوليين للاعتناء بهموم شعوب المنطقة، التي بالتأكيد تتوق إلى السلام.