تكلفة الانفتاح الاقتصادي
ترى نظريات اقتصادية حديثة في الوقت الحاضر أن على الدول الخليجية والعربية النظر إلى موضوع الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية الخاصة بالتجارة والعمل والخدمات وحقوق الملكية الفكرية، وغيرها من الاتفاقيات التي تناقشها منظمة التجارة العالمية، ضمن جولة الدوحة، كونه استثمارا لا بد أن يكون له عائد مجز مقابل الكلف التي تدفعها هذه الدول؛ نظير الالتزام بهذه الاتفاقيات، خاصة أن الاستجابة لهذه الاتفاقيات تتطلب التزامات مستمرة ومتجددة (انفاق مستمر ومتعاظم) ولا نهاية لها، وانه كلما طال الوقت للمفاوضات تعقدت أكثر وازدادت صعوبة انضمام الدول النامية إليها. لذلك، فإن المطلوب هو معرفة كيفية التعامل والاستفادة من مزايا الانضمام اليها وتحقيق العوائد المرجوة منها.غير أن إحصائيات التقرير الاقتصادي العربي الموحد تظهر أن استثمار الدول العربية في الاتفاقيات الدولية كبد هذه الدول من الكلف أكثر مما حقق لها من العوائد. فمن الناحية النظرية، تستهدف الدول العربية شأنها شأن بقية دول العالم من الدخول في اتفاقيات تجارية دولية هدفين رئيسيين، الأول: هو تشجيع صادراتها وفتح أسواق جديدة أمامها، والثاني: هو استقطاب استثمارات تسهم في تمويل برامج التنمية.وبإلقاء نظرة على هذين المؤشرين بصورة إجمالية، يوضح التقرير الاقتصادي العربي الموحد أن الصادرات الإجمالية للدول العربية ارتفعت من 569 مليار دولار عام 2005 إلى نحو 1.2 تريليون دولار عام 2014، غير أن هذه الزيادة تعود بصورة رئيسية وإجمالية إلى ارتفاع الصادرات النفطية المرتبطة بأسعار النفط. فعلى سبيل المثال البلدان العربية غير النفطية دخلت بشكل قوي في الاتفاقيات الدولية مثل الأردن ومصر ولبنان والمغرب وتونس لم تتجاوز نسبة النمو في صادراتها 8% سنويا طوال تلك الفترة في حين ارتفعت وارداتها بنسبة 13% سنويا، حيث بلغت نسبة الارتفاع الإجمالي في الصادرات العربية طوال تلك السنوات (2005 – 2014) حوالي 110% في حين ارتفعت الواردات بنحو 160%. ومع الأخذ بالاعتبار العوامل الكثيرة التي ساهمت في تلك المعدلات، فإن أحد تفسيرات هذا التفاوت الكبير بين نسب ارتفاع الواردات والصادرات هي أن الدول العربية التي فتحت أسواقها أمام العالم، استفاد العالم منها أكثر مما هي استفادت من العالم.ونفس الحديث ينطبق على الاستثمارات الأجنبية للدول العربية، فتقارير مناح الاستثمار في الدول العربية توضح أن حجم الاستثمارات الأجنبية للدول العربية ارتفعت من نحو 48 مليار دولار عام 2005 الى 86 مليارا عام 2014 بزيادة إجمالية نسبتها 79%، مع العلم بأن القسم الرئيسي من هذه الزيادة ناتج عن الاستثمارات العربية البينية أي زيادة الاستثمارات الخليجية إلى بقية الدول العربية، فيما ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي للدول النامية بنسبة 162% وعلى مستوى العالم بنسبة 100%.إضافة لذلك، سوف تواجه الدول العربية في المفاوضات القادمة من منظمة التجارة العالمية تحديات أكبر تتمثل في مشروع التجارة الالكترونية وثورة المعلومات وهي أكبر من تحديات تحرير التجارة، وعلى هذه الدول مواجهتها؛ كونها سوف تزيل الأمية الجديدة "أمية الانترنت". إن التحدي الاكبر القادم يكمن في ثورة المعلومات المقبلة من خلال التجارة الالكترونية التي ستخلق من العالم كتلة سوقية كاملة، من لا يدخلها سيصبح خارجها، وينتقل من دول نامية الى متخلفة، وهذه الثورة المعلوماتية والتجارة الالكترونية ستقفز بواقع التعاون الراهن في إطار منظمة التجارة العالمية إلى آفاق رحبة جديدة ليس لها حدود. أي أن هناك كلفا إضافية تتعلق بتكييف وتهيئة المجتمع ومؤسسات الأعمال للاستفادة من الاتفاقيات الدولية.وفيما يخص الاتفاقيات الدولية للعمل التي تطالب بدورها بتحرير سوق العمل وبالتالي إزالة برامج التوطين التي اتخذت منها العديد من الدول الخليجية سبيلا للتغلب على مشكلة البطالة المتفاقمة بين مواطنيها، وما تفرزه من آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية خطيرة، فإن كلف هذه الاتفاقيات أكبر يكثير من الاتفاقيات التجارية الدولية، وتتمثل أهم هذه الكلف في ربط فتح الأسواق التجارية في أي بلد بتقيده بتنفيذ خطوات معينة في سوق العمل مثل مساواة العمالة الوافدة مع المحلية وتوطين العمالة الأجنبية، وما يستتبعه ذلك لصالح تلك الاتفاقيات. ووجهان عمليان للفوائد الكبيرة التي تجنيها الدول المصدرة للعمالة هما أولا: التحويلات السنوية من دول التعاون البالغة نحو 100 مليار دولار، والثاني: هو تحول أسواق العمل الخليجية الى أسواق لتدريب وتأهيل عمالتها؛ لكي تنتقل بعد فترة الى أسواق الدول المتقدمة كعمالة مدربة ومؤهلة.فليس هناك أدنى شك في أن التفاوت الزمني في التطور الاقتصادي والاجتماعي والتشريعي والاعتماد المتزايد على العمالة الأجنبية في دول التعاون يحتم على منظمة العمل الدولية ابداء المزيد من المرونة والتفهم لظروف هذه المنطقة وخصوصيات دولها، كما أنه يفرض -في نفس الوقت- ضرورة إعطاء الفرصة لهذه الدول لتطوير أنظمتها ومؤسساتها بالشكل الذي يتفق مع تراثها وحضارتها وتقاليدها ومعتقدات شعوبها؛ مما يؤدي إلى إيجاد الوسائل النابعة من الواقع والمعتمدة على الذات؛ لتحقيق المبادىء والقيم التي تدعو اليها المنظمة، بدلا من أن يتم فرض عليها قوالب مستوردة. وعلى الرغم من صحة هذه الحقائق، إلا أنها لا تعفي من القول بأن أسواق العمل العربية بشكل عام، والخليجية بشكل خاص، تعاني من تشوهات خطيرة، أبرز ملامحها التفاوت الآخذ بالتزايد من متطلبات ومواصفات جانب العرض من هذه الأسواق مع جانب الطلب منها، فالملايين التي تدخل السوق سنويا لا يلبي أغلبها احتياجات هذه الأسواق إما بسبب أنماط برامج التعليم الفني والجامعي، أو بسبب الرواتب والأجور أو بسبب نمط التغير المتسارع في بيئة العمل. ويتضح لنا مما سبق عرضه، بخصوص بيانات التجارة الخارجية والاستثمارات في الدول العربية، علاوة على أوضاع سوق العمل؛ أن الدول العربية دفعت تكاليف للانفتاح الاقتصادي أكبر من الفوائد التي جنتها، وهو موضوع لا بد أن يحظى باهتمام صناع السياسة والخبراء والمعنيين؛ للخروج برؤية واضحة لكيفية قلب المعادلة. بعض الاتفاقيات الدولية الاقتصادية كلفت الدول العربية أكثر من عوائدها